والآن لعله قد تبين بعدَ بيانِ المعاني اللغوية لكلمة العلة وبيان المعنى الاصطلاحي لها التقاربُ الذي بين المعنى الاصطلاحي وبين الأصلين اللغويين الثاني والثالث، اللذين تقدم ذكرهما في كلام ابن فارس، فعلة الحديث شيء يمنع الناقد من الاستمرار في وجهته الأولى في تصحيح الحديث، فالحديث كان ظاهره الصحة ولكن منع الناقد من تصحيحه وعاقه عنه اكتشافه خطأً فيه من بعض رواته؛ وإذا نظرنا من جهة أخرى وجدنا العلة في الحديث ضد صحته وسلامته من الخلل، كالعلة في البدن إذ هي مرض ضد صحته وسلامته « (1) » .
وعلى كل حال فكثيرًا ما يدل السياق والقرائن على تعيين المراد بكلمة «علة» كقول عبدالرحمن بن مهدي: «لأن أعرف علة حديث هو عندي , أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثًا ليس عندي» « (2) » ، فمراده هنا العلة الخفية، لأن الظاهرة لا تخفى على من هو من صغار طلبته فكيف تخفى عليه؟! وكيف يفرح بمعرفتها كل ذلك الفرح؟!
ولكن أكثر الفقهاء ومن تبعهم أو تأثر بهم من متأخري المحدثين لا يطلقون العلة إلا على القادحة في متن الحديث المانعة من ثبوته « (3) » ، سواء كانت العلة خفية أي وهم ثقة، أو كانت ظاهرة كانقطاع سند أو ضعف راو أو جهالته، بل هم يضيقون كثيرًا ميدان الإعلال بوهم الثقة.
(1) «» ثم لعل الأقرب أن المعنى الاصطلاحي للعلة مأخوذ من الأصل الثالث المتقدم في كلام ابن فارس وهو الضعف والمرض، لا من الأصل الثاني، والله أعلم.
(2) «» رواه عنه ابن أبي حاتم في أول كتابه «علل الحديث» «1/ 195» والحاكم في «معرفة علوم الحديث» «ص140» ، وتقدم تخريجه.
(3) «» عرَّف العراقي في «ألفيته» العِلَّة بقوله:
وهي عبارة عن أسباب طرت ... ... ... فيها غموض وخفاء أثَّرت
ينظر البيت وشرحه في «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» للسخاوي «1/ 258» ؛ وينظر «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر «1/ 235» .