.إلى الصّحابة الذين بالحبشة، فركبوا البحر راجعين لظنّهم أنّ ذلك صِدْقٌ. فلما ذُكِر ذلك لرسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ خاف أن يكون قاله. فخاف من الله خوفًا عظيمًا. حتى أنزل الله عليه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} إلى قوله: {عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} 1.
فَمَن عرف هذه القصّة2، وعرف ما عليه المشركون اليوم، وما قاله ويقوله علماؤهم، ولم يميّز بين الإسلام الذي أتى به النّبِي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وبين دين قريش الذي أرسل الله رسوله ينذرهم عنه، وهو الشّرك الأكبر فأبعده الله. فإنّ هذه القصّة في غاية الوضوح، إلاّ مَن طبع الله على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة، فذلك لا حيلة فيه، ولو كان مِن أفهم النّاس، كما قال الله تعالى في أهل الفهم الذين لم يوفقوا: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ} الآية3.
ثم لما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز المسلمين أسلم الأنصار ـ أهل المدينة ـ بسبب العلماء الذين عندهم من اليهود. وذِكْرِهم لهم النَّبِي
ـــــــ
1 الآيات 52-55 من سورة الحجّ.
2 ذكر صاحب فتح الباري 8/439 طبعة السّلفية: (( أنّ القصّة رويت بثلاثة أسانيد على شرط الصّحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها مَن يحتجّ بالمرسل وكذا مَن لا يحتجّ به لاعتضاد بعضها ببعض. قال: وإذا تقرّر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر وهو قوله: (( ألقى الشّيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلا وإنّ شفاعتهن لترتجى ) )، ثم ذكر أجوبة للعلماء في ذلك، وأحسنها القول: أنّ الشّيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك فتوهموا أنّه صدر عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ذلك وليس كذلك في نفس الأمر )) . اهـ.
3 الآية 26 من سورة الأحقاف.