وهذا الحق الاسثنائي يبيح بعضًا من حق المسلم الخاص
ومن أمثلة الحق الاستثنائي: وجوب إعانة الناس بعضهم لبعض على الطعام واللباس والسُكنى، ومن باب أولى دفع الصائل؛ وقد بين هذا ا?صل شيخ الإسلام ابن تيمية ~ فقال: (والأصل أن إعانة الناس بعضهم لبعض على الطعام واللباس والسكنى أمر واجب، وللإمام أن يُلزم بذلك ويُجبر عليه؛ ولا يكون ذلك ظلمًا، بل إيجاب الشارع للجهاد الذي فيه المخاطرة بالنفس والمال لأجل هداية الناس في دينهم أبلغ من هذا كله، فإذا كانت الشجاعة التي يحتاج المسلمون إليها والكرم الذي يحتاج المسلمون إليه واجبًا، فكيف بالمعاوضة التي يحتاج المسلمون إليها، ولكن أكثر الناس يفعلون هذا بحكم العادات والطباع وطاعة السلطان، غير مستشعرين ما في ذلك من طاعة الله ورسوله وطاعة أولي الأمر فيما أمر الله بطاعتهم فيه، ولهذا يعدون ذلك ظلمًا وعناء، ولو علموا أنه طاعة لله احتسبوا أجره وزالت الكراهة، ولو علموا الوجوب الشرعي لم يعدوه ظلمًا) مجموع الفتاوى.
وفي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية نوعان من الحقوق التي يُجبر المسلم عليها؛ نوع بمعاوضة وآخر من غير معاوضة.
ومن المعاوضات التي يجبر عليها المسلم لضرورة إقامة الجهاد الصناعات والتجارات، وقد بيّنها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:
(وكذلك إذا احتاج المجاهدون إلى أهل الصناعات والتجارات، كصناع الطعام واللباس والسلاح ومصالح الخيل وغير ذلك، وطُلبت منهم تلك الصناعة بعوضها وَجَبَ بذلها وأُجبروا عليها، وكذلك التجار فيما يُحتاج إليه في الجهاد، عليهم بيع ذلك، وإذا احتاج العسكر إلى خروج قوم تجار فيه لبيع ما لا يمكن العسكر حمله من طعام ولباس وسلاح ونحو ذلك، فالتجارة كالصناعة، والعسكر بمنزلة قوم في بلد، فكما يجب على بعض إعانة بعض على حاجاتهم بالمعاوضة التي لا ضرر فيها، فإن ذلك واجب في العسكر، وكما للإمام أن يوجب الجهاد على طائفة ويأمرهم بالسفر إلى مكان لأجله، فله أن يأمر بما يُعين على ذلك ويأمر قومًا بتعلم العلم ويأمر قومًا بالولايات، والإمام العدل تجب طاعته فيما لم يُعلم أنه معصية، وغير العدل تجب طاعته فيما عُلِمَ أنه طاعة كالجهاد) مجموع الفتاوى.
بل قد يُجبر المسلم على تعريض نفسه للقتل عند تلك الضرورة، وبيّن ابن تيمية ذلك بقوله:
(فمن كان من أهل صناعات القتال، رميًا وضربًا وطعنًا وركوبًا، وجب عليه ذلك وأُجبر عليه، كما قال النبي(: {وإذا استُنفِرتم فانفروا} ، ولهذا قال الفقهاء: إنه يجب عينا إذا أمر به الإمام) مجموع الفتاوى.
هذا في النفس، فيكون ا?جبار على بذل المال - عند تلك الضرورة - من باب أولى؛ وقد بيّن ذلك أئمة الفقه على المذاهب ا?ربعة.
-فمن أقوال الحنفية قول الإمام محمد بن الحسن الشيباني ~:
(وعلى هذا لو أراد الإمام أن يُجهز جيشًا، فإن كان في بيت المال سعة، فينبغي له أن يجهزهم بمال بيت المال ولا يأخذ من الناس شيئًا، وإن لم يكن في بيت المال سعة كان له أن يتحكم على الناس بما يتقوى به الذين يخرجون إلى الجهاد، لأنه نُصِّبَ ناظرًا لهم، وتمام النظر في ذلك) انتهى من شرح السير الكبير.