قَالَ: شَهَادَةَ أَنْ لاَ إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُنْذُ، ثَمَانِينَ سَنَةً، قَالَ: فَلَمَّا دُفِنَتْ قَامَ عَلَى قَبْرِهَا، فَقَالَ:
أَخَافُ وَرَاءَ الْقَبْرِ إنْ لَمْ يُعَافِنِي ... أَشَدُّ مِنَ الْقَبْرِ الْتِهَابًا وَأَضْيَقَا
إذَا جَاءَنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَائِدٌ ... عَنِيفٌ وَسَوَّاقٌ يَسُوقُ الْفَرَزْدَقَا
لَقَدْ خَابَ مِنْ أَوْلاَدِ دارم مَنْ مَشَى ... إِلَى النَّارِ مَغْلُولَ الْقِلاَدَةِ أَزْرَقَا [1]
وعَنْ أَبَانَ؛ قَالَ: خَرَجْنَا فِي جِنَازَةِ النَّوَّارِ بِنْتِ أَعْيُنٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ الْفَرَزْدَقِ، وَفِيهَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، فَلَمَّا كُنَّا فِي الطَّرِيقِ؛ قَالَ الْفَرَزْدَقُ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ! تَدْرِي مَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ: وَمَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: فِي هَذِهِ الْجَنَازَةِ خَيْرُ النَّاسِ وَشَرُّ النَّاسِ. قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّكَ خَيْرُ النَّاسِ، وَإِنِّي شَرُّ النَّاسِ. فَقَالَ الْحَسَنُ: لَسْتُ بِخَيْرِ النَّاسِ وَلا أَنْتَ بِشَرِّ النَّاسِ. فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى الْجَبَّانِ تَقَدَّمَ الْحَسَنُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ؛ قَامَ الْحَسَنُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، فَقَالَ: يَا أَبَا فِرَاسٍ! مَا أَعْدَدْتَ لِهَذَا الْمَضْجَعِ. قَالَ: شَهَادَةُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللهُ مُذْ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. فَقَالَ الْحَسَنُ: خُذْهَا مِنْ غَيْرِ فَقِيهٍ. ثُمَّ تَنَحَّى الْحَسَنُ وَجَلَسَ وَاحْتَبَى وَأَحْدَقَ النَّاسُ بِهِ، فَجَاءَ الْفَرَزْدَقُ وَتَخَطَّى النَّاسَ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ الْحَسَنِ؛ فَأَنْشَدَهُ شِعْرًا؛ فَقَالَ:
(أَخَافُ وَرَاءَ الْقَبْرِ إِنْ لَمْ يُعَافِنِي ... أَشَدَّ مِنَ الْقَبْرِ الْتِهَابًا وَأَضْيَقَا)
(إِذَا جَاءَنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَائِدٌ ... عَنِيفٌ وَسَوَّاقٌ يَسُوقُ الْفَرَزْدَقَا)
(لَقَدْ خَابَ مِنْ أَوْلادِ آدَمَ مَنْ مَشَى ... إِلَى النَّارِ مُحَمَّرَ الْقِلادَةِ أَزْرَقَا)
(يُسَاقُ إِلَى دَارِ الْجَحِيمِ مُسَرْبَلًا ... سَرَابِيلَ قَطْرَانٍ لِبَاسًا مُحْرِقَا)
(إِذَا شَرِبُوا فِيهَا الصَّدِيدَ رَأَيْتَهُمْ ... يَذُوبُونَ مِنْ حَرِّ الصَّدِيدِ تَمَزُّقَا) [2]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ الْجَارُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ سَيِّدًا فِي قَوْمِهِ، مُطَاعًا عَظِيمًا فِي عَشِيرَتِهِ، مُطَاعَ الْأَمْرِ رَفِيعَ الْقَدْرِ، عَظِيمَ الْخَطَرِ، ظَاهِرَ الْأَدَبِ، شَامِخَ
(1) -مصنف ابن أبي شيبة - (14/ 66) (36882) و فيض القدير، شرح الجامع الصغير (3020) والكشكول - (1/ 126)
(2) - المجالسة وجواهر العلم - (4/ 471) (1689) أبان ضعيف