جَانٍّ، ثُمَّ تَلاَ: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا ... } الآيَةَ، ثُمَّ هَدَأَ الصَّوْتُ. فَقَالَ مَسْلَمَةُ لِفَاطِمَةَ: قَدْ قُبِضَ صَاحِبُكِ" [1] "
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:"أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِيَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهِمَا؟ أَوَّلُ يَوْمٍ يَجِيئُكَ الْبَشِيرُ مِنَ اللَّهِ إِمَّا بِرِضَى اللَّهِ وَإِمَّا بِسَخَطِهِ، وَيَوْمٌ تَقِفُ فِيهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ يَأْخُذُ فِيهِ كِتَابَكَ إِمَّا بِيَمِينِكَ وَإِمَّا بِشِمَالِكَ، وَلَيْلَةٌ يَبِيتُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ وَلَمْ يَبِتْ لَيْلَةً قَبْلَهَا مِثْلَهَا، وَلَيْلَةٌ صَبِيحَتُهَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَعْدَهَا لَيْلَةٌ" [2]
وقَالَ المُزَنِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ! كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟
فَرَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: أَصْبَحْتُ مِنَ الدُّنْيَا رَاحِلًا، وَلإِخْوَانِي مُفَارِقًا، وَلِسُوءِ عَمَلِي مُلاَقِيًا، وَعَلَى اللهِ وَارِدًا، مَا أَدْرِي رُوْحِي تَصِيْرُ إِلَى جَنَّةٍ فَأُهَنِّيْهَا، أَوْ إِلَى نَارٍ فَأُعَزِّيْهَا، ثُمَّ بَكَى وَأَنْشَأَ يَقُوْلُ:
وَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي * جَعَلْتُ رَجَائِي دُوْنَ عَفْوِكَ سُلَّمَا
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ * بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا
فَمَا زِلْتَ ذَا عَفْوٍ عَنِ الذَّنْبِ لَمْ تَزَلْ * تَجُوْدُ وَتَعْفُو مِنَّةً وَتَكَرُّمَا
فَإِنْ تَنْتَقِمْ مِنِّي فَلَسْتُ بِآيِسٍ * وَلَوْ دَخَلَتْ نَفْسِي بِجِرمِي جَهَنَّمَا
وَلولاَكَ لَمْ يُغْوَى بِإِبْلِيْسَ عَابِدٌ * فَكَيْفَ وَقَدْ أَغوَى صَفِيَّكَ آدَمَا
وَإِنِّيْ لآتِي الذّنْبَ أَعْرِفُ قَدْرَهُ * وَأَعلَمُ أَنَّ اللهَ يَعْفُو تَرَحُّمَا [3]
فالأعمَالُ الصَّالحَاتُ سَبَبُ كلِّ خَيرٍ في الدّنيَا والآخِرة، وأفضلُ الأَعمَالِ وأَعظَمُها أَعمَالُ القُلوبِ كالإخلاصِ وكَالإيمَانِ والتوكُّل والخَوفِ والرَّجَاءِ والرَّغبَةِ والرَّهبةِ وَحُبِّ مَا يحِبُّ الله وبُغضِ ما يُبغِض الله وتَعلُّق القَلبِ باللهِ وَحدَه في جَلبِ كُلِّ نَفعٍ ودفعِ كلِّ ضُرٍّ كَمَا
(1) - سير أعلام النبلاء (5/ 142)
(2) - شُعَبُ الْإِيمَانِ لِلْبَيْهَقِيِّ (10295) والزُّهْدُ أَبِي دَاوُدَ (366) صحيح موقوف
(3) - تاريخ الإسلام للإمام الذهبي - موافقة للمطبوع - (14/ 340) وسير أعلام النبلاء (10/ 76) وقال:إِسْنَادُهُ ثَابِتٌ عَنْهُ.