وَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي: وَفِي كَسْرِ آنِيَةِ الْخَمْرِ رِوَايَتَانِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إلَى الضَّمَانِ إذَا تَجَاوَزَ الْمُحْتَسِبُ الْقَدْرَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ. قَالَ صَاحِبُ تُحْفَةِ النَّاظِرِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: إذَا لَمْ يَقَعْ التَّمَكُّنُ مِنْ إرَاقَةِ الْخَمْرِ إلَّا بِكَسْرِ أَنَابِيبِهَا وَتَحْرِيقِ وِعَائِهَا , فَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي هَذَا النَّوْعِ , وَإِنْ أَمْكَنَ زَوَالُ عَيْنِهَا مَعَ بَقَاءِ الْوِعَاءِ سَلِيمًا وَلَمْ يَخَفْ الْفَاعِلُ مُضَايَقَةً فِي الزَّمَانِ وَلَا فِي الْمَكَانِ بِتَغَلُّبِ فَاعِلِهِ مَعَ انْتِفَاءِ هَذِهِ الْمَوَانِعِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ , إنْ كَانَ لِأَمْثَالِهِ قِيمَةٌ وَهُوَ يُنْتَفَعُ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ [1] .
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ [2] : وَفِي إرَاقَةِ الْخُمُورِ يَتَوَقَّى كَسْرَ الْأَوَانِي إنْ وَجَدَ إلَيْهِ سَبِيلًا وَحَيْثُ كَانَتْ الْإِرَاقَةُ مُتَيَسِّرَةً بِلَا كَسْرٍ , فَكَسَرَهَا لَزِمَهُ الضَّمَانُ. وَقَالَ أَيْضًا [3] : الْوَالِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ , وَلَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِكَسْرِ الظُّرُوفِ الَّتِي فِيهَا الْخَمْرُ زَجْرًا , وَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تَأْكِيدًا لِلزَّجْرِ , وَلَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ [4] , وَلَكِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى الزَّجْرِ وَالْفِطَامِ شَدِيدَةً , فَإِذَا رَأَى الْوَالِي بِاجْتِهَادِهِ مِثْلَ الْحَاجَةِ جَازَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ , وَإِذَا كَانَ هَذَا مَنُوطًا بِنَوْعِ اجْتِهَادٍ دَقِيقٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ [5] .
الضَّمَانُ فِي تَلَفِ النُّفُوسِ [6] :
50 -أَمَّا الشِّقُّ الْآخَرُ وَهُوَ الضَّمَانُ فِي تَلَفِ النُّفُوسِ بِسَبَبِ مَا يَقُومُ بِهِ الْمُحْتَسِبُ , فَإِنَّ لِلْفُقَهَاءِ أَقْوَالًا فِي ذَلِكَ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ التَّعْزِيرِ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ , لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ مَشْرُوعَةٌ لِلرَّدْعِ وَالزَّجْرِ , فَلَمْ يُضْمَنْ مَنْ تَلِفَ بِهَا كَالْحَدِّ , وَلِأَنَّهُ فَعَلَ مَا فَعَلَ بِأَمْرِ الشَّرْعِ , وَفِعْلُ الْمَأْمُورِ لَا يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ , وَلِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى بِأَمْرِهِ , فَصَارَ كَأَنَّ اللَّهَ أَمَاتَهُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ [7] .
(1) - تحفة الناظر 12 - 13 والمغني 5/ 250
(2) - إحياء علوم الدين - (ج 2 / ص 167)
(3) - إحياء علوم الدين - (ج 2 / ص 167)
(4) - انظر مشكل الآثار للطحاوي - (ج 7 / ص 363) والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد - (ج 1 / ص 257)
(5) - الإحياء 2/ 424
(6) - الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 6075)
(7) - الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 6075) و الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 6705) والمغني - (ج 20 / ص 371) والكافي في فقه ابن حنبل - (ج 7 / ص 20) و شرح فتح القدير 5/ 2و3و حاشية رد المحتار 4/ 78 - 79و الأشباه والنظائر لابن نجيم 289 كتاب الجنابات