أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ التَّبْصِرَةِ [1] : فَإِنْ عَزَّرَ الْحَاكِمُ أَحَدًا فَمَاتَ أَوْ سَرَى ذَلِكَ إلَى النَّفْسِ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ , وَكَذَلِكَ تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ , وَفِي عُيُونِ الْمَجَالِسِ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ إذَا عَزَّرَ الْإِمَامُ إنْسَانًا فَمَاتَ فِي التَّعْزِيرِ لَمْ يَضْمَنْ الْإِمَامُ شَيْئًا لَا دِيَةً وَلَا كَفَّارَةً [2] .
وَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ فُقَهَائِهِمْ [3] إلَى أَنَّ عَدَمَ الضَّمَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى ظَنِّ السَّلَامَةِ , فَإِنْ شَكَّ فِيهَا ضَمِنَ مَا سَرَى عَلَى نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ , وَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ السَّلَامَةِ فَالْقِصَاصُ.
وَالشَّافِعِيُّ يَرَى التَّضْمِينَ فِي التَّعْزِيرِ إذَا حَصَلَ بِهِ هَلَاكٌ , لِأَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ وَلَا يُعْفَى مِنْ التَّعْزِيرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْهَلَاكُ بِنَحْوِ تَوْبِيخٍ بِكَلَامٍ وَصَفْعٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ عَزَّرَ غَيْرَهُ بِإِذْنِهِ [4] , وَلَا عَلَى مَنْ عَزَّرَهُ مُمْتَنِعًا مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ , وَإِنْ أَدَّى إلَى قَتْلِهِ [5] ، قَالَ الرَّمْلِيُّ: لِلْحَاكِمِ تَعْزِيرُ الْمُمْتَنِعِ مِنْ أَدَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ بَعْدَ طَلَبِ مُسْتَحِقِّهِ بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ وَإِنْ زَادَ عَلَى التَّعْزِيرِ بَلْ وَإِنْ أَدَّى إلَى مَوْتِهِ لِأَنَّهُ بِحَقٍّ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ [6] .
وَلَا يَكُونُ التَّعْزِيرُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا , فَإِنْ ضَرَبَهُ ضَرْبًا يَقْتُلُ غَالِبًا أَوْ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا أَوْ قَصَدَ قَتْلَهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ أَوْ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ فِي مَالِهِ ... [7] .
مِقْدَارُ الضَّمَانِ وَعَلَى مَنْ يَجِبُ [8] :
51 -وَحَيْثُ قِيلَ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ فَفِي قَدْرِهِ قَوْلَانِ:
الْأَوَّلُ: لُزُومُ كَامِلِ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ قَتْلٌ حَصَلَ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ وَعُدْوَانِ الضَّارِبِ , فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْعَادِي , كَمَا لَوْ ضَرَبَ مَرِيضًا سَوْطًا فَمَاتَ بِهِ , وَلِأَنَّهُ تَلَفٌ بِعُدْوَانٍ وَغَيْرِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَلْقَى عَلَى سَفِينَةٍ مُوقَرَةٍ حَجَرًا فَغَرَّقَهَا , وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ [9] .
وَالثَّانِي: عَلَيْهِ نِصْفُ الضَّمَانِ لِأَنَّهُ تَلَفٌ بِفِعْلٍ مَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ , فَكَانَ الْوَاجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ كَمَا لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ فَمَاتَ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ [10] .
(1) - تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام - (ج 5 / ص 278)
(2) - تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام - (ج 5 / ص 278)
(3) - الفقه على المذاهب الأربعة - (ج 5 / ص 39) والفقه على المذاهب الأربعة - (ج 7 / ص 139) والشرح الكبير للشيخ الدردير - (ج 4 / ص 355) وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير - (ج 19 / ص 45) وحاشية الصاوي على الشرح الصغير - (ج 10 / ص 360)
(4) - حاشية القليوبي على المنهج 4/ 208
(5) - حاشية القليوبي على المنهج 2/ 286
(6) - حاشيتا قليوبي - وعميرة - (ج 8 / ص 16) وحاشية البجيرمي على الخطيب - (ج 8 / ص 20) ومنهاج الطالبين 4/ 208
(7) - المغني لابن قدامة 9/ 145و146 والشرح الصغير 4/ 505 والخرشي على خليل 7/ 110
(8) - الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 6076)
(9) - منهاج الطالبين 4/ 208 - 209 والمغني 9/ 145و146 و المغني - (ج 20 / ص 336) والشرح الكبير لابن قدامة - (ج 10 / ص 135)
(10) - منهاج الطالبين 4/ 208و209 ومغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج - (ج 15 / ص 178) والمغني - (ج 19 / ص 168) والمغني - (ج 20 / ص 335) والمغني - (ج 20 / ص 336) ودرر الحكام في شرح مجلة الأحكام - (ج 3 / ص 301) والفتاوى الهندية - (ج 37 / ص 73) وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق - (ج 14 / ص 400)