قال: أنشدني أيضًا:
لِبستُ ثوب الرّجا والناس قدَ رقدُوا ... وقمتُ أشكو إلى مولاي ما أجد
وقلتُ يا ياعُدَّثي في كلَّ نائبة ... ومن عليه لكشف الضُّرَّ أعتمدُ
وقد مددت يدي والضُّرُّ مُشتملٌ ... إليك يا خير من مُدَّت إليه يُد
فلا تَرُدَّنَّها يا رَبَّ خائبة ... فبحُر جُودِك يرْوِى كل من يَرد [1]
5 -وفي سنة 527هـ اقتتل الفرنج فيما بينهم قتالًا شديدًا فمحق الله منهم خلقًا كثيرًا وغزاهم فيها أيضًا عماد الدين زنكي فقتل منهم ألف قتيل وغنم أموالًا جزيلة، ويقال لها: غزاة أسوار [2] وفي نفس السنة توفي محمد بن أحمد بن يحي، أبو عبد الله العثماني الدّيباجي، وكان ببغداد يُعرف بالمقدسي وتفقه ووعظ الناس ببغداد قال ابن الجوزي سمعته ينشد في مجلسه قوله:
دعْ جفوني يَحِقُّ لي أن أَنُوحَا ... لم تَدَعْ لى الذنُوبُ قلبًا صحيحًا
أخْلَقَتْ بهجتي أكف المعاصي ... ونَعاني المشيب نعيًا فصيحًا
كلما قُلتُ قد بَرا جُرحُ قلبي ... عاد قلبي من الذنوب جَريحًا
إنما الفوز والنعيمُ لعبد ... جاء في الحشر آمنًا مُستَرِيحا [3]
6 -وفي سن 533هـ توفي علي بن أفلح الكاتب وقد خلع عليه المسترشد الخليفة العباسي ولقَّبه جمال الملك وأعطاه أربعة دور وكانت له دار إلى جانبهن فهدمهن كلَّهنَّ واتخذ مكانهن دارًا هائلة طولها ستون ذراعًا في عرض أربعين، وأطلق له الخليفة أخشابا وآجُرَّا وذهبًا فبناها، وغرم عليه ابن أفلح مالا جزيلًا، وكتب على أبوابها وطرازاتها أشعار حسنة من نظمه ونظم غيره فكان على الطُّرُزِ مكتوب [4] .
ومن المروءة للفتى ... ما عاش دار فاخرة
فاقنع من الدنيا بها ... وأعمل لدار الآخرة
هاتيك وافية بما ... وعدت وهذي ساحرة [5]
وفي موضع آخر مكتوب:
ونادٍ كأنَّ جنَانَ الخلود ... أعادته من حُسْنِها رَوْنَقَا
(1) البداية والنهاية (16/ 289) .
(2) البداية والنهاية (16/ 289) .
(3) المصدر نفسه (16/ 298) .
(4) المصدر نفسه (16/ 323) .
(5) البداية والنهاية (16/ 323) .