5 -الأكراد البشنوية: التفت عماد الدين بعد ذلك إلى مناطق الأكراد البشنوية في بلاد الزوزان الواقعة في الأرض الممتدة من جبال أرمينية شمالًا حتى الموصل جنوبًا ومن أذربيجان شرقًا حتى إقليم ديار بكر غربًا [1] ، وكان أمراء البشنوية قد أنشأوا عددًا من الحصون لعل أهمها حصن فنك المطل على نهر دجلة، واتخذوه مركزًا رئيسيًا لهم نظرًا لما يتمتع به من حصانة طبيعية ومتانة وكان أميرهم آنذاك حسام الدين البشنوي قد اشترك، مع عدد من الأمراء الأكراد القاطنين شمالي الموصل في إثارة الفتن والاضطرابات ضد إمارة عماد الدين زنكي، فهاجمها هذا الأخير وأخضعها لسلطانه، باستثناء حصن فنك الذي أوكل مهمة إخضاعه إلى قائده زين الدين على كجك في حين توجه هو لحصار قلعة جعبر، وفرض كجك الحصار على الحصن وصادق أن اغتيل عماد الدين زنكي أثناء حصار قلعة جَعْبَر فاضطر كجك إلى فك الحصار والانسحاب إلى الموصل [2] . تلك هي الجماعات الكردية التي هاجم زنكي مواقعها، واستطاع أن يضع يده على معظم ممتلكاتها وقواعدها المهمة، ويخضعها لسيطرته في أقل من عقد ونصف، بفضل قدرته العسكرية، وخططه السياسية البارعة التي أتاحت له التغلب على مصاعب القتال في المناطق الجبلية الوعرة، وسط فئات لا تدين له بالولاء وقد تمكن بذلك من تأمين إحدى الجهات الهامة لإمارته بعد أن كانت تشكل نقاط خطر عليه، وأن يجعلها تستند إلى خطوط دفاعية يصعب اختراقها، تحقيقًا لخطته في بناء السياج الذي صمم على بنائه حول إمارته عندما قال يومًا: إن البلاد كبستان عليه سياج، فمن هو خارج السياج يهاب الدخول [3] .
كان هدف زنكي، بعد أن تّم له الاستيلاء على حلب واتخاذها قاعدة في بلاد الشام، السيطرة على المناطق الممتدة بينها وبين الموصل والتي كان يحكمها أمراء مستقلون، عملاُ بخطته القاضية: بألا يبقى في بلاده ما هو ملك لغيره، حزمًا منه واحتياطًا. ذلك أنه كان يستهدف - كما ذكرنا - إنشاء إمارة موحدة قوية، تمكنه من تحقيق انتصارات حاسمة ضد الصليبيين. وكان عليه - لتحقيق هذا الهدف - اكتساح عدد من الإمارات المحلية في منطقة ديار بكر، والتي كانت تشكل خطرًا على مواصلاته مع الشام، سيما في حالات صدامه مع الصليبيين [4] .
(1) المصدر نفسه ص 107.
(2) الكامل في التاريخ نقلًا عن تاريخ الزنكيين في الموصل ص 108.
(3) مفرج الكروب (1/ 103) عماد الدين زنكي ص 116.
(4) عماد الدين زنكي ص 85.