فقلما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافًا [1] يتساوكن هُزلا [2] ضحى، مخهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب، وقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد، والشاة عازب حيال [3] ولا حلوبة في البيت؟ قالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك، من حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي يا أم معبد قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة [4] ، أبلج الوجه [5] ،
حسن الخلق، لم تعبه نحلة [6] ولا تزر به صعلة [7] وسيم [8] ، في عينيه دعج [9] ، وفي أشفاره وطف [10] ، وفي صوته صهل [11] وفي عنقه سطع [12]
وفي لحيته كثاثة، أزج [13] ، أقرن [14] ، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما [15] وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق، فصل لا هذر ولا نزر [16] ، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربع [17] لا يأس من طول [18] ولا تقتحمه العين من قصر [19] غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا، وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود [20] ، محشود [21] ، لا عابس ولا مُفنَّد [22] .
قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد
(1) عجافا: ضد السمن، وهو جمع عجفاء وهي المهزولة.
(2) يتساوكن هزلا: يتمايلن من الضعف.
(3) عازب: بعيدة المرعى لا تأوي إلى البيت إلا في الليل، حيال: لا تحمل.
(4) ظاهر الوضاءة: ظاهر الجمال والحسن
(5) أبلغ الوجه: مشرق الوجه مضيئه.
(6) نحلة: من النحول والدقة والضمور، أي أنه ليس نحيلا.
(7) صعلة: صغر الرأس وهي تعني الدقة والنحول في البدن.
(8) وسيم: الوسيم المشهور بالحسن كأنه صار الحسن له سمة.
(9) دعج: شديد سواد العين في شدة بياضها.
(10) في أشفاره وطف: الشعر النابت على الجفن فيه طول.
(11) صهل: كالبحة وهو ألا يكون حاد الصوت.
(12) سطع: طول العنق.
(13) أزج: دقيق شعر الحاجبين مع طولهما.
(14) أقرن: متصل ما بين حاجبين من الشعر، أو مقرون الحاجبين.
(15) سما: علا برأسه، أو بيده وارتفع.
(16) لا هذر ولا نذر: الهذر من الكلام ما لا فائدة فيه والنزر: القليل.
(17) رَبْع: ليس بالقصير ولا بالطويل.
(18) لا يأس من طول: لا يجاوز الناس طولا.
(19) لا تقتحمه العين من قصر: لا تزدريه ولا تحتقره.
(20) محفود: مخدوم.
(21) محشود: يجتمع الناس حواليه.
(22) لا عابس ولا مفند: ليس عابس الوجه ولا مفند: ليس منسوبًا إلى الجهل وقلة العقل.