فهرس الكتاب
المسير ثلاثة قرعات من طبل ضخم دوره خمسة عشر ذراعًا، مدهون بلون الموحدين الأخضر، ومحلى بالذهب، وقد صُنع من خشب رنَّان، فكان يُسمع على مسيرة نصف يوم إذا ضُرب في مكان مرتفع في يوم ساكن لا ريح فيه، وكانت كل قبيلة تتبع علمها الخاص، وهو يحمل مطويًا أثناء السير، ولاينشر عندئذ سوى علم الطلائع، وقد كان مكونًا من اللونين الأبيض والأزرق، وعليه هلال مذهب، وتحمل الخيام والعتاد والمؤن على ظهور الجمال والدواب، هذا غير ما يتبع الجيش من قطعان عديدة من الثيران والأغنام تسير تحت إشراف الرعاة، وتُخَصصّ لغذاء الجند، وكان جيش عبد المؤمن النظامي يتألف - فضلًا عن الفرسان - من سبعين ألفًا من المشاة، وكان ينقسم إلى أربعة جيوش، يفصل بعضها عن بعض أثناء السير مسيرة يوم، وذلك حتى لايقع نقص في الماء، أو ضيق في المكان، وإذا كان معظم الجند مثقلًا بالسلاح فقد كانت مسيرة اليوم قصيرة المدى، وكان يقطع خلالها عادة عدة أميال فقط، وكان يقتصر على السير منذ شروق الشمس إلى وقت الظهر، حتى يتسنى للجند أن يبدأوا السير في اليوم التالي بقوى مجددة، وترتب على هذا التمهل في مسير الجيش أن اقتفى عبد المؤمن ستة أشهر ليقطع المسافة بين سلا وتونس، وهي مسافة كانت تقطعها فرقة الفرسان الخفيفة في نحو شهرين فقط. وكان عبد المؤمن إذا ركب احتاط به الأشياخ والقادة، وأدوا معه الصلاة، ثم ينصرف بعد ذلك كل إلى مكانه، وإلى قيادة الجند التابعين له، وكان يتقدمه مائة شيخ وقائد، يمتطون جيادًا مطهَّمة ويتقلدون أسلحة فاخرة، ويرتدون ثيابًا فخمة، وكان يحمل أمامه مصحف الخليفة عثمان بن عفان الذي غنمه الموحدون من قرطبة، تبرُّكًا وتيمُّنًا، وقد وضع في - صندوق - بديع الصنع، محلَّى بصفائح الذهب: مرصع بأروع اللآلئ والاحجار الكريمة، حتى إنه قيل بحق بأن كنوز