فكيف يعقل أن يدخل في سياق هذا الإنكار والتنديد بالأصنام كلمات تمتدحهن , وتقول: «تِلْكَ الغَرَانِيقُ العُلاَ , وَإِنَّ شَفَاعَتُهُنَّ لَتُرْتَجَى» ؟! [1] .
وكان حديث «شَاوِرُوهُنَّ وَخَالِفُوهُنَّ» في شأن النساء باطلًا مكذوبًا لأنه مناف لقوله تعالى في شأن الوالدين مع رضيعيهما {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة: 233] .
وإذا اختلفت أفهام الفقهاء أو الشراح في الاستنباط من السنن فأولاها وأسعدها بالصواب ما أيده القرآن.
انظر إلى قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] .
إن هذه الآية المكية الكريمة بما أجملته وما فصلته , لم تدع شيئًا تنبته الأرض إلا جعلت فيه حَقًّا , وأمرت بإيتائه , وهذا الحق المأمور به المجمل في هذه الآية هو الذي فصله القرآن والسنة بعد ذلك تحت عنوان (الزكاة) .
ومع هذا رأينا من الفقهاء من قصر زكاة ما أخرجه الله من الأرض على أربعة أصناف فقط من الحبوب والثمار , أو على ما يقتات في حال الاختيار لا غير , أو على ما يبس , ويكال ويدخر ... وأخرجوا من دائرة الحق الواجب سائر الفواكه والخضروات , ومزارع البن والشاي , وحدائق التفاح والمانجو , والقطن وقصب السكر , وغيرها , مما يدر على أصحابه الألوف بل الملايين , حتى سمعتُ في إحدى زياراتي لبعض الأقطار الآسيوية أن الشيوعيين يتهمون الفقه الإسلامي ـ أو الشرع الإسلامي ـ بأنه يجعل عبء الزكاة على صغار الزراع ـ وربما كانوا مستأجرين للأرض , لاَ مُلاَّكًا ـ الذين يزرعون الذرة والقمح والشعير , ويعفى من ذلك مالكي مزارع جوز الهند والشاي والمطاط ونحوها!
(1) انظر في إبطال أسطورة الغرانيق: البحث العميق الذي كتبه العلامة محمد الصادق عرجون - رَحِمَهُ اللهُ - في كتابه"محمد رسول الله"تحت عنوان (قصة الغرانيق أكذوبة بلهاء متزندقة) : جـ 2/ 30 - 155.