فِي بَدْءِ الإِسْلاَمِ، وَشِدَّةِ الحَاجَةِ، فَكَانَتْ المَصْلَحَةُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي وَقْفِ الأَرْضِ، فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الوَاجِبَ» [78] . اهـ.
ومثل ذلك موقفه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من ضالة الإبل , فحين سئل عنها , نهى عن التقاطها وقال: «مَالَكَ وَلَهَا؟ [دَعْهَا] ، فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» [79] .
ومضى الأمر على هذا طوال عهد الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم عهد أبي بكر الصديق وعهد عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - فكانت الإبل الضالة تترك على ما هي عليه لا يأخذها أحد , حتى يجدها صاحبها , اتباعًا لأمر الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - , وما دامت تستطيع الدفاع عن نفسها , وتستطيع أن ترد الماء تستقي وتختزن منه في أكراشها ما تشاء , ومعها أحذيتها أي أخفافها , التي تقوى بها على السير وقطع المفاوز.
ثم جاء عثمان بن عفان - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فكان ما يرويه مالك في"الموطأ"إذ يذكر أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ يَقُولُ: «كَانَتْ ضَوَالُّ الإِبِلِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ إِبِلًا مُؤَبَّلَةً تَنَاتَجُ. لاَ يَمَسُّهَا أَحَدٌ. حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا ثُمَّ تُبَاعُ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أُعْطِيَ ثَمَنَهَا» [80] .
وتغير الحال قليلًا بعد عثمان - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فإن علي بن أبي طالب وافقه في جواز التقاط الإبل حفظًا لها لصاحبها , لكنه رأى أنه قد يكون في بيعها وإعطاء ثمنها إن جاء ضرر به لأن الثمن لا يغني غناءها بذواتها , ومن ثم رأى التقاطها والإنفاق عليها من بيت المال حتى إذا جاء ربها أعطيت له [81] .
(78) "المغني"لابن قدامة: جـ 2 ص 598، مطبعة نشر الثقافة الإسلامية بمصر.
(79) "نيل الأوطار"للشوكاني: جزء 5 ص 338، وهو حديث متفق عليه.
(80) "الموطأ": جزء 3 ص 129. وإبل مؤبلة أي كثيرة تتخذ للقنية.
(81) "تاريخ الفقه الإسلامي"للمرحوم الدكتور محمد يوسف موسى - فقه الصحابة والتابعين: ص 83 - 85.