فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 173

إسباله وتطويله ـ مجردًا من أي قصد سيء ـ فهو أليق بوادي المكروهات التنزيهية.

إنما الذي يهم الدين هنا , ويوجه إليه أكبر العناية هو النيات والمعاني القلبية وراء السلوك الظاهري. الذي يهتم الدين بمقاومته هنا هو: الخيلاء والعجب والكبر والفخر والبطر , ونحوها , من أمراض القلوب وآفات الأنفس , والتي لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة منها.

فهذا مما يؤيد كل التأييد تقييد الوعيد الشديد الوارد في الإسبال بمن قصد الخيلاء , كما دلت عليه الأحاديث الأخرى.

ومعنى آخر , يضاف إلى ما قلناه , وهو: أن أمر اللباس يخضع في كيفيته وصورته إلى أعراف الناس وعاداتهم , التي تختلف أحيانًا باختلاف الحر والبرد , والغنى والفقر , والقدرة والعجز , ونوع العمل , ومستوى المعيشة , وغير ذلك من المؤثرات.

والشارع هنا يخفف عن الناس القيود , ولا يتدخل لا في حدود معينة لمنع مظاهر السرف والترف في الظاهر , أو قصد البطر والخيلاء في الباطن , ونحو ذلك مما هو مفصل في موضعه [35] .

ولهذا ترجم الإمام البخاري في أول (كتاب اللباس) من"صحيحه" [36] بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: 32] وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ مَخِيلَةٍ» [37] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"كُلْ مَا شِئْتَ، وَالبَسْ مَا شِئْتَ، مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ: سَرَفٌ، أَوْ مَخِيلَةٌ" [38] .

(35) انظر كتابنا"الحلال والحرام"، فصل: الملبس والزينة.

(36) انظر"الفتح": جـ 10/ 252.

(37) ذكره البخاري معلقًا بصيغة الجزم، وذكر الحافظ أنه لم يصله في موضع آخر. وقد وصله الطيالسي والحارث بن أبي أسامة في"مسنديهما"من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وليس في رواية الطيالسي (فِي غَيْرِ ... الخ) ولا في رواية الحارث (وَتَصَدَّقُوا) ووصله ابن أبي الدنيا بتمامه في كتاب"الشكر" ("الفتح": جـ 10/ 253) .

(38) قال الحافظ: وصله ابن أبي شيبة في"مصنفه". المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت