وَعَنْ جُدَامَةَ [63] بِنْتِ وَهْبٍ الأَسَدِيَّةِ قَالَتْ: «حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُنَاسٍ وَهُوَ يَقُولُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلاَدَهُمْ، فَلاَ يَضُرُّ أَوْلاَدَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنْ العَزْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَلِكَ الوَأْدُ الخَفِيُّ {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} [التكوير: 8] » رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ سَلَّمَ - أَنْ يُعْزَلَ عَنْ الحُرَّةِ إلاَّ بِإِذْنِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بِذَلِكَ [64] .
أقول: لأن في إسناده ابن لهيعة وفيه مقال معروف , ويشهد له ما أخرجه ابن عبد البر وأحمد والبيهقي عن ابن عباس: «نَهَى عَنْ العَزْلِ عَنْ الحُرَّةِ إلاَّ بِإِذْنِهَا» كما في"نيل الأوطار".
وظاهر من جملة الأحاديث المذكورة أنها تدل على إباحة العزل , وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء , إلا أن الحرة لا يعزل عنها إلا بإذنها ورضاها , لما لها من حق الاستمتاع.
ولكن يعارض هذا الفقرة الثانية من حديث جدامة بنت وهب المذكور وفيها التصريح بأنه من (الوَأْدِ الخَفِيِّ) .
فمن العلماء من جمع بين هذا الحديث وما قبله , فحمل هذا على التنزيه وهذه طريقة البيهقي.
ومنهم من ضَعَّفَ حديث جدامة هذا , لمعارضته لما هو أكثر منه طُرُقًا.
قَالَ الْحَافِظُ: «وَهَذَا دَفْعٌ لِلأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِالتَّوَهُّمِ، وَالحَدِيثُ صَحِيحٌ لاَ رَيْبَ فِيهِ، وَالجَمْعُ مُمْكِنٌ» .
(63) قال الدارقطني: هي بالجيم والدال المهملة , ومن ذكرها بالذال فقد صَحَّفَ , قال الحافظ: وكذا قال العسكري. وحكي بالذال المعجمة عن جماعة. وقال الطبري: جدامة بنت جندل , والمحدثون قالوا ابنة وهب , والمختار أنها ابنة جندل الأسدية , أسلمت قديمًا بمكة , بايعت , وهاجرت مع قومها إلى المدينة ("تهذيب التهذيب": جـ 12/ 405، 406) .
(64) "المنتقى"جـ2 ص 561 ـ 564 ط. دار المعرفة , بيروت.