«لاَ تُسَافِرِ [المَرْأَةُ] إِلاَّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» [73] .
فالعلة وراء هذا النهي هو الخوف على المرأة من سفرها وحدها بلا زوج أو محرم في زمن كان السفر فيه على الجِمَالِ أَوْ البِغَالِ أَوْ الحَمِيرِ , وتجتاز فيه غالبًا صحارى ومفاوز تكاد تكون خالية من العمران والأحياء , فإذا لم يصب المرأة ـ في مثل هذا السفر ـ شر في نفسها أصابها في سمعتها.
ولكن إذا تغير الحال ـ كما في عصرنا ـ وأصبح السفر في طائرة تقل مائة راكب أو أكثر , أو في قطار يحمل مئات المسافرين , ولم يعد هناك مجال للخوف على المرأة إذا سافرت وحدها , فلا حرج عليها شرعًا في ذلك , ولا يعد هذا مخالفة للحديث , بل قد يؤيد هذا حديث عدي بن حاتم مرفوعًا عند البخاري: «يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنْ الحِيرَةِ [تَؤُمُّ] البَيْتَ (أي الكعبة) لاَ زَوْجَ مَعَهَا» [74] (*) .
وقد سبق الحديث في معرض المدح بظهور الإسلام , وارتفاع مناره في العالمين وانتشار الأمان في الأرض , فيدل على الجواز , وهو ما استدل به ابن حزم على ذلك.
ولا غرو أن وجدنا بعض الأئمة يجيزون للمرأة أن تحج بلا محرم ولا زوج , إذا كانت مع نسوة ثقات , أو في رفقة مأمونة , وهكذا حجت عائشة وطائفة من أمهات المؤمنين في عهد عمر , ولم يكن معهن أحد من المحارم , بل صحبهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - , كما في"صحيح البخاري".
بل قال بعضهم: تكفي امرأة واحدة ثقة.
وقال بعضهم: تسافر وحدها إذا كان الطريق آمنًا وصححه صاحب"المهذب"من الشافعية.
وهذا في سفر الحج والعمرة , وطرده بعض الشافعية في الأسفار كلها [75] .
(73) متفق عليه، انظر"اللؤلؤ والمرجان"، حديث (850) . والأحاديث الثلاثة قبله.
(74) رواه البخاري في كتاب (علامات النبوة في الإسلام) .
(75) انظر"فتح الباري": جـ 4 ص 446. وما بعدها، ط. الحلبي.
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي] :
(*) الحديث كما ورد في"صحيح البخاري"بهذه الصيغة: «فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ لاَ تَخَافُ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ» ، انظر البخاري:"الجامع الصحيح"، تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي: (61) كِتَابُ المَنَاقِبِ - (25) بَابُ عَلاَمَاتِ النُّبُوَّةِ فِي الإِسْلاَمِ، حديث رقم 3595، ("فتح الباري": 6/ 610. طبعة دار المعرفة - بيروت) .