فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 173

وكان أكثر الفقهاء والمحدثين لا يعرفون علوم الفلك , أو هم يعرفون بعض مبادئها , وكان بعضهم , أو كثير منهم لا يثق بمن يعرفها ولا يطمئن إليه بل كان بعضهم يرمي المشتغل بها بالزيغ والابتداع , ظَنًّا منه أن هذه العلوم يتوسل بها أهلها إلى ادعاء العلم بالغيب (التنجيم) , وكان بعضهم يدعي ذلك فعلًا , فأساء إلى نفسه وإلى علمه , والفقهاء معذورون , ومن كان من الفقهاء والعلماء يعرف هذه العلوم لم يكن بمستطيع أن يحدد موقفها الصحيح بالنسبة إلى الدين والفقه , بل كان يشير إليها على تخوف.

هكذا كان شأنهم , إذ كانت العلوم الكونية غير ذائعة ذيعان العلوم الدينية وما إليها , ولم تكن قواعدها قطعية الثبوت عند العلماء.

وهذه الشريعة الغراء السمحة , باقية على الدهر , إلى أن يأذن الله بانتهاء هذه الحياة الدنيا , فهي تشريع لكل أمة , ولكل عصر , ولذلك نرى في نصوص الكتاب والسنة إشارات دقيقة لما يستحدث من الشؤون , فإذا جاء مصداقها فسرت وعلمت , وإن فسرها المتقدمون على غير حقيقتها.

وقد أشير في السنة الصحيحة إلى ما نحن بصدده , فروى البخاري من حديث ابن عمر عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا» ، يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلاَثِينَ [96]

ورواه مالك في"الموطأ" [97] والبخاري ومسلم وغيرهما بلفظ: «الشَّهْرُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ، فَلاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلاَلَ، وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَاقْدُرُوا لَهُ» .

وقد أصاب علماؤنا المتقدمون - رَحِمَهُمْ اللهُ - في تفسير معنى الحديث , وأخطأوا في تأويله , ومن أجمع قول لهم في ذلك قول الحافظ بن حجر [98] : «وَالمُرَادُ بِالحِسَابِ

(96) رواه البخاري في كتاب الصوم.

(97) "الموطأ": (جـ 1 ص 269) .

(98) "فتح الباري": (جـ 4، ص 108، 109) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت