روى البخاري عَنْ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِمٍ قال: لما نزلت هذه الآية {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ... } [البقرة: 187] عمدت إلى عقالين: أحدهما أسود , والآخر أبيض , قال: فجعلتهما تحت وسادتي , قال فجعلت أنظر إليهما , فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت , فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبرته بالذي صنعت , فقال: «إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ [أَنْ كَانَ الخَيْطُ الأَبْيَضُ، وَالأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ] » .
ومعنى (إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ) أي إن كان ليسع الخيطين: الأسود , والأبيض , المرادين من الآية تحته , فإنهما بياض النهار وسواد الليل , فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب [109] !
ومثل ذلك قوله تعالى في الحديث القدسي المعروف: «وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» [110] .
فقد شغب المعتزلة على أهل الحديث بروايتهم مثل هذا النص , وعزوهم ذلك إلى الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - , وهو يوهم تشبيهه تعالى بخلقه في القرب المادي والمشي والهرولة , وهذا لا يليق بكمال الألوهية.
وقد رد على هؤلاء الإمام ابن قتيبة في كتابه:"تأويل مختلف الحديث"بقوله: «إِنَّ هَذَا تَمْثِيلٌ وَتَشْبِيهٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ: مَنْ أَتَانِي مُسْرِعًا بِالطَّاعَةِ، أَتَيْتُهُ بِالثَّوَابِ أَسْرَعَ مِنْ إِتْيَانِهِ، فَكَنَّى عَنْ ذَلِكَ بِالمَشْيِ وَبِالهَرْوَلَةِ» .
ومثل ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [الحج: 51] . قال: «وَالسَّعْيُ: الإِسْرَاعُ فِي المَشْيِ، وَلَيْسَ يُرَادُ أَنَّهُمْ مَشَوْا دَائِمًا، وَإِنَّمَا يُرَادُ: أَنَّهُمْ أَسْرَعُوا بِنِيَّاتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ» [111] .
(109) انظر"تفسير ابن كثير": جـ 1/ 221.
(110) متفق عليه، انظر"اللؤلؤ والمرجان"، حديث (1721، 1746) .
(111) "تأويل مختلف الحديث"، ط. دار الجيل، بيروت: ص 224.