فهرس الكتاب
"ولما فعلوا فعل من استحب ألزموا ذلك، وإن كانوا غير مصدقين بآخرة لكن الأمر في نفسه بين، فمن حيث أعرضوا عن النظر فيه كانوا كمن استحب غيره". (1)
والتعذيب، أو النفي والتشريد في الأرض، وكل هذه الجرائم بسبب قعود القاعدين. وما لقيه أبناء الحركة الإسلامية في مصر من التعذيب في أوائل الخمسينات بسبب انسحاب نفر من العلماء من الصف، ومعهم ما لا يحصى من المتأثرين بهم، والواثقين فيهم - شاهد صدق على ما نقول، ويتحمل هذا النفر إثم ما نزل بهؤلاء إلا أن يعفو الله عنهم، ويتجاوز. وما يلقاه العمل الإسلامي اليوم بعموم من انسحاب نفر من الميدان، وقبوله أن يكون سوطا في يد الباطل يلهب به ظهور العاملين ويحرّض عليهم، ويخيف الناس منهم - لهو شاهد صدق كذلك على ما نقول.
ويقول العلامة الألوسي -رحمه الله-:
" {ذلك} إشارة إلى الكفر بعد الإيمان، أو الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى: {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، أو المذكور من الغضب والعذاب {أنهم} ، أي بسبب أن الشارحين صدورهم بالكفر {اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} أي آثروها، وقدموها، ولتضمن الاستحباب معنى الإيثار قيل) عَلَى الآخِرَةِ (فعُدِّي بعلى، والمراد على ما في البحر - أي على ما جاء في تفسير البحر المحيط لأبي حيان- أنهم فعلوا فعل المستحبين ذلك، وإلا فهم غير مصدقين بالآخرة".(2)
وكذلك نبه إليه في قوله سبحانه: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} (النجم) .
يقول ابن عطية:
"وقوله: {وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} معناه: لا يصدق بغيرها، فسعيه كله وعمله إنما هو لدنياه". (3)
ويقول الألوسي:
(1) - انظر: المحرر الوجيز 10/238.
(2) - انظر روح المعاني 10/14/238-239.
(3) - انظر: المحرر الوجيز 15/271.