أما بعد أطال الله مدتك وأدام في العلوم رغبتك فالهوى مركب يهوى بصاحبه وظهر يعثر براكبه
وليس من الحزم أن يزري العالم على نفسه بالعصبية ويضع من علمه بالحمية فالناس مع اختلافهم
وتباين أصنافهم متفقون على أن تغليب الأهواء يطمس أعين الآراء وإن الميل عن الحق يبهم سبيل
الصدق وكنت ذاكرت بعض من يتوسم بالأدب والأشعار وقائليها والمجوّدين فيها فسألني عن المتنبي
فقلت إنه بعيد المرمى في شعره كثير الإصابة في نظمه إلا إنه ربما يأتي بالفقرة الغراء مشفوعة
بالكلمة العوراء فرايته قد هاج وانزعج وحمى وتأجج وادعى أن شعره مستمر النظام متناسب الأقسام
ولم يرض حتى تحدّاني فقال إن كان الأمر كما زعمت فاثبت في ورقة ما تنكره وقيد بالخطبة ما
تذكره تستصحفه العيون وتسبكه العقول ففعلت وإن لم يكن تطلب العثرات من شيمتي ولا تتبع
الزلات من طريقتي وقد قيل أيّ عالم لا يهفو وأيّ صارم لا ينبو وأيّ جواد لا يكبو وإنما فعلت ما
فعلت لئلا يقدر هذا المعترض أني ممن يروي قبل أن يتروّى ويخبر قبل أن يخبر فاسمع وانصت