فيجب أن يعتقد أنه ليس كل من كثر بسطه للقول، وكلامه في العلم كان أعلم ممن ليس كذلك.
وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم؛ فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله. ومنهم من يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين؛ وهذا يلزم منه ما قبله؛ لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولًا ممن كان قبلهم، فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله كان أعلم ممن كان أقل منهم قولًا بطريق الأولى، كالثوري والأوزاعي والليث وابن المبارك، وطبقتهم، ومن قبلهم من التابعين والصحابة أيضًا، فإن هؤلاء كلهم أقل كلامًا ممن جاء بعدهم!!
وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح، وإساءة ظن بهم، ونسبة لهم إلى الجهل، وقصور العلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد صدق ابن مسعود في قوله في الصحابة: إنهم أبر قلوبًا، وأعمقها علومًا، وأقلها تكلفًا.
وروي نحوه عن ابن عمر أيضًا.
وفي هذا إشارة إلى أن من بعدهم أقل علومًا وأكثر تكلفًا. وقال ابن مسعود أيضًا: إنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه، كثير خطباؤه. فمن كثر علمه وقل قوله فهو الممدوح، ومن كان بالعكس فهو مذموم."اهـ [1] ."
وهذا آخر هذه التتمات على هذا المقصد، ولله الحمد والمنة.
(1) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص62 - 66 باختصار.