ثم قال رحمه الله:"وقد ورد النهي عن كثرة المسائل وعن أغلوطات المسائل، وعن المسائل قبل وقوع الحوادث، وفي ذلك ما يطول ذكره."
ومع هذا ففي كلام السلف والأئمة كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق؛ التنبيه على مأخذ الفقه، ومدارك الأحكام بكلام وجيز مختصر يُفهم به المقصود من غير إطالة ولا إسهاب.
وفي كلامهم من ردّ الأقوال المخالفة للسنة بألطف إشارة وأحسن عبارة، بحيث يغني ذلك من فهمه عن إطالة المتكلمين في ذلك بعدهم. بل ربما لم يتضمن تطويل كلام من بعدهم من الصواب في ذلك ما تضمنه كلام السلف، والأئمة مع اختصاره وإيجازه.
فما سكت من سكت عن كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلًا و لا عجزًا، ولكن سكتوا عن علم وخشية لله.
وما تكلم من تكلم، وتوسّع من توسَّع بعدهم باختصاصه بعلم دونهم، ولكن حبًا للكلام وقلة ورع. كما قال الحسن وسمع قومًا يتجادلون: هؤلاء قوم ملوا العبادة وخف عليهم القول، وقلّ ورعهم فتكلموا."اهـ [1] ."
ثم قال:"وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا، وظنوا، من كثر كلامه، وجداله، وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك! وهذا جهل محض؛ وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر، وعمر، وعلي، ومعاذ، وابن مسعود، وزيد بن ثابت كيف كانوا؟ كلامهم أقل من كلام ابن عباس وهم أعلم منه."
وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم.
وكذلك تابعوا التابعين كلامهم أكثر من كلام التابعين، والتابعون أعلم منهم.
فليس العلم بكثرة الرواية، ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقصد.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصارًا؛ ولهذا ورد النهي عن كثرة الكلام، والتوسع في القيل والقال. ...
(1) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص57ـ60 باختصار.