الصفحة 125 من 205

والجواب عليه: أهل الحديث أهل اتفاق وائتلاف، لا ينكر ذلك من تأمل وتدبر [1] . أمّا الاختلاف والافتراق الذي تراه حينما يتكلمون بما معهم من العلم فهذا ضرورة أن الحق يدفع الباطل، وأن الدلائل الواضحة تفضح الشبه الواهية.

ولأمر ما كان من أسماء القرآن العظيم وأوصافه:"الفرقان"، {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا} [الفرقان:1] ، وكان من أسماء معركة بدر الكبرى:"يوم الفرقان"، {وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان} [الأنفال: 41] . وكيف يكون تصحيح الخطأ وهداية الضال دون تغيير سبيل صاحبه الذي هو عليه، ودعوته إلى الحق، مما يستدعي حصول نوع من الاختلاف، والافتراق والمخالفة؟ فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا دعى قومه إلى الهدى والحق حصل ما حصل من الافتراق والاختلاف، وكان ذلك ضرورة الدعوة إلى الحق ونبذ الباطل، وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.

وقولهم: إنكم سميتم أنفسكم أهل السنة، وما نراكم في ذلك إلا مدّعين؛ لأنا وجدنا كل فرقة من الفرق تنتحل اتباع السنة، وتنسب من خالفها إلى الهوى، وليس على أصحابكم منها سمة وعلامة أنهم أهلها دون من يخالفها من سائر الفرق، فكلها في انتحال هذا اللقب شركاء متكافئون، ولستم أولى بهذا اللقب إلا أن تأتوا بدلالة ظاهرة، من الكتاب والسنة، أو من إجماع أو معقول!

والجواب عليه: قال الله تبارك وتعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3ـ4] .

قال حسان بن عطية (أحد التابعين من ثقات الشاميين) :"كان جبريل عليه السلام، ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة، كما ينزل عليه بالقرآن، يعلمه إياها، كما يعلمه القرآن" [2] .

(1) انظر ما نقلته في المقصد الثاني حول أن من شرف أهل الحديث وفضلهم، أنهم أهل ائتلاف واتفاق، وثبات واستقرار على ما معهم من الحق.

(2) أثر صحيح الإسناد. ...

أخرجه الدارمي في سننه (1/ 145) ، ونعيم بن حماد في زوائده على كتاب الزهد لابن المبارك تحت رقم (90) ، وابن نصر المروزي في كتاب السنة ص32ـ33، تحت رقم (102) ، ص111، تحت رقم 402. والأثر صحح إسناده الحافظ ابن حجر في فتح الباري (13/ 291) ، وبدر البدر في تحقيقه لكتاب السيوطي"مفتاح الجنة"ص38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت