المطلب الأول: في جواب مسائل وشبهات.
هناك مجموعة من المسائل يحلو للكثير من أهل الكلام والرأي إثارتها، وشغل الناس بها عن الحق الذي مع أهل الحديث.
ومن ذلك:
قولهم: من أين علم أصحاب الحديث يقينًا أنهم على الحق؟
والجواب عليه: إن أهل المقالات وإن اختلفوا ورأى كل صنف منهم أن الحق فيما دعى إليه فإنهم مجمعون لا يختلفون على أن من اعتصم بكتاب الله عزوجل، وتمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد استضاء بالنور، واستفتح باب الرشد وطلب الحق من مظانه. وليس يدفع أهل الحديث عن ذلك إلا ظالم؛ لأنهم لا يردون شيئًا من أمر الدين إلى استحسان و لا إلى قياس ونظر، ولا إلى كتب الفلاسفة المتقدمين و لا إلى أصحاب الكلام المتأخرين.
فإن اعترض معترض عليهم بأنه يقع في الروايات التي ينقلونها الخطأ والتناقض! فيرد عليه: بأنهم ميزوا الصحيح من السقيم، والصواب من الخطأ، فهم يأخذون بالصحيح الصواب، ويردون السقيم الخطأ من الروايات، وأمّا المتناقض من الأخبار فهذا يبحثونه وينفون عنه التناقض والاختلاف باعتبار قواعد وأصول في علم لديهم يُعرف بـ"علم مختلف الحديث ومشكله"، فأي حديث تظن فيه التناقض ارجع فيه إلى كتب هذا العلم تجد - إن شاء الله تعالى - برد اليقين، وطمأنينة الحق ونوره [1] . وسيأتي مزيد بسط لهذا المعنى في جواب المسائل الآتية.
وقولهم: كيف يوصف أهل الحديث بأنهم أهل ائتلاف واتفاق، والواقع أنهم دائمًا لمّا يتكلمون بما معهم يقع اختلاف وافتراق؟
(1) هذا الجواب استفدته مع تصرف من كلام ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص59.