الصفحة 133 من 205

مسألة الجد، والمشركة، وذوي الأرحام، ومسألة الحرام في أمهات الأولاد، وغير ذلك مما يكثر تعداده، من مسائل البيوع والنكاح والطلاق، وكذلك في مسائل كثيرة من باب الطهارة، وهيآت الصلاة، وسائر العبادات. فصاروا باختلافهم في هذه الأشياء محمودين وكان هذا النوع من الاختلاف رحمة من الله لهذه الأمة، حيث أيدهم باليقين، ثمّ وسع العلماء النظر فيما لم يجدوا حكمه في التنزيل والسنة، فكانوا مع هذا الاختلاف أهل الاختلاف أهل مودة ونصح، وبقيت بينهم أخوة الإسلام، ولم ينقطع عنهم نظام الألفة.

فلما حدثت هذه الأهواء المردية الداعية صاحبها إلى النار؛ ظهرت العداوة وتباينوا وصاروا أحزابًا، فانقطعت الأخوة في الدين وسقطت الألفة، فهذا يدل على أن هذا التباين والفرقة إنما حدثت من المسائل المحدثة التي ابتدعها الشيطان، فالقاها على أفواه أوليائه، ليختلفوا ويرمي بعضهم بعضًا بالكفر.

فكل مسألة حدثت في الإسلام فخاض فيها الناس، فتفرقوا واختلفوا فلم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة، ولا بغضا ولاتفرقًا بينهم وبقيت الألفة والنصيحة والمودة والرحمة والشفقة، علمنا أن ذلك من مسائل الإسلام، يحل النظر فيها، والأخذ بقول من تلك الأقوال، لايوجب تبديعًا و لاتكفيرًا كما ظهر مثل هذا الاختلاف بين الصحابة والتابعين، مع بقاء الألفة والمودة. وكل مسألة حدثت فاختلفوا فيها فأورث اختلافهم في ذلك التولي والإعراض والتدابر والتقاطع، وربما ارتقى إلى التكفير؛ علمت أن ذلك ليس من أمر الدين في شيء، بل يجب على كل ذي عقل أن يجتنبها، ويعرض عن الخوض فيها، لأن الله شرط تمسكنا بالإسلام أنا نصبح في ذلك إخوانًا، فقال تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا} [آل عمران:103] .] [1] .

قالوا: جعلتم أصل الدين هو الاتباع، ورددتم على من يرجع إلى المعقول، ويطلب الدين من قبله، وهذا خلاف الكتاب؛ لأن الله ذم التقليد في القرآن وندب الناس إلى النظر والاستدلال، والرجوع إلى

(1) من كلام أبي المظفر السمعاني رحمه الله، في كتابه الانتصار لأهل الحديث، بواسطة صون المنطق والكلام ص165ـ169. وقارن بـ"الاعتصام" (2/ 231ـ233) فقد لخص جملة هذا الفصل، ولكنه لم ينسبه إلى أبي المظفر السمعاني، بل قال:"قال بعض العلماء"ثم ساقه ملخصًا مقاصده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت