الصفحة 134 من 205

الاعتبار، وإنما ورد السمع مؤيدًا لما يدل عليه العقل، ومن تدبر القرآن ونظر معانيه وجد تصديق ما قلناه!

والجواب [1] : قد دللنا فيما سبق أن الدين هو الاتباع، وذكرنا في بيانه ودلائله ما يجد به المؤمن شفاء الصدر، وطمأنينة القلب، بحمد الله ومنه.

وأمّا لفظ التقليد فلا نعرفه جاء في شيء من الأحاديث، وأقوال السلف فيما يرجع إلى الدين، وإنما ورد الكتاب والسنة بالاتباع.

وقد قالوا: إن التقليد إنما هو: قبول قول الغير من غير حجة.

وأهل السنة إنما تبعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله نفس الحجة.

فكيف يكون هذا قبول قول الغير من غير حجة؟!

فإن المسلمين لهم الدلائل السمعية على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما نقل إلينا أهل الإتقان والثقات من الرواة ما لا يعد كثرة من المعجزات، والبراهين، والدلالات التي ظهرت عليه، وقد نقلها أصحاب الحديث في كتبهم ودوّنوها. فلما صحت عندهم نبوته، ووجدوا صدقه في قلوبهم وجب عليهم تصديقه فيما أنبأهم من الغيوب، ودعاهم إليه من وحدانية الله، واثبات صفاته، وسائر شرائط الإسلام.

وعلى أنا لا ننكر النظر قدر ما ورد به الكتاب والسنة، لينال المؤمن بذلك زيادة اليقين، وثلج الصدر، وإنما أنكرنا طريقة أهل الكلام على ما أسسوا؛ فإنهم قالوا: أول ما يجب على الإنسان النظر المؤدي إلى معرفة الباري.

وهذا قول مخترع لم يسبقهم إليه أحد من السلف وأئمة الدين، ولو أنك تدبرت جميع أقوالهم، وكتبهم، لم تجد هذا في شيء منها، لا منقولًا من النبي صلى الله عليه وسلم، و لا من الصحابة رضي الله عنهم، وكذلك من التابعين بعدهم.

وكيف يجوز أن يخفى عليهم أول الفرائض وهم صدور هذه الأمة، والسفراء بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

(1) هناك جواب آخر انظره في صون المنطق والكلام ص157.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت