الصفحة 166 من 205

والمقصود أن مخالفتهم للسنة في هذه المسائل لم تسقط عنهم وصف الفقه، فما بالك بمخالفة ما عليه الناس! هل يقال عمن يخالف ما عليه الناس ويتبع في ذلك ما ظهر له من الدليل: ليس بفقيه، شاذ متفرد؟!

ثم متى كان جريان عمل الناس على شيء حجة مطلقة في شرع الله ترد من أجله النصوص؟

لله ما اصدق الكلمة التي نقلها محمد بن وضاح رحمه الله عن بعض من مضى أنه قال:"كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرًا عند من مضى."

وكم من متحبب إلى الله تعالى بما يبغضه الله.

ومتقرب إلى الله بما يبعده الله منه.

وكل بدعة عليها زينة وبهجة"اهـ [1] ."

زمن صار فيه المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، وإذا غُيِّر قيل: غُيرت السنة!!

أما تستحي يارجل! ترد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتدفع في صدره، وتقدم عليه عمل الناس! وتقول: هذا حديث شاذ ليس عليه العمل!!

هل يصير الحديث شاذًا لأنك لم تعلم من عمل به؟

هل يصير الحديث شاذًا لأن عمل الناس جرى على خلافه؟

هل تلتزم بهذا فلا تعمل بحديث حتى ترى الناس يعملون به؟

قال الشافعي رحمه الله:"أخبرنا سفيان وعبد الوهاب عن يحي بن سعيد عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قضى في الإبهام بخمس عشرة، وفي التي تليها بعشر، وفي الوسطى بعشرٍ، وفي التي تلي الخنصر بتسعٍ، وفي الخنصر بستٍ."

قال الشافعي: لمّا كان معروفًا - والله أعلم - عند عمر أن النبي قضى في اليد بخمسين، وكانت اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع: نزلها منازلها، فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف، فهذا قياس الخبر [2] .

(1) البدع والنهي عنها لابن وضاح ص50، ونقلها بتصرف الطرطوشي في"الحوادث والبدع"ص295 - 296.

(2) قال الشيخ أحمد شاكر في شرحه على"الرسالة"هنا:"يريد بالقياس هنا الاستنباط المبني على التعليل، و لا يريد القياس الاصطلاحي، كما هو ظاهر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت