"طلب العلم درجات ومناقل ورتب، لاينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله، ومن تعدى سبيلهم عامدًا ضلَّ، ومن تعداه مجتهدًا زلَّ."
فأول العلم: حفظ كتاب الله عزوجل، وتفهمه. وكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه. و لا أقول: إن حفظه كله فرض، ولكن أقول: إن ذلك واجب لازم على من أحب أن يكون عالمًا ليس من باب الفرض.
فمن حفظه قبل بلوغه ثم فرغ إلى ما يستعين به على فهمه من لسان العرب؛ كان له عونًا كبيرًا على مراده منه، ومن سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم ينظر في ناسخ القرآن ومنسوخه، وأحكامه، ويقف على اختلاف العلماء واتفاقهم في ذلك، وهو أمر قريب على من قربه الله عليه.
ثم ينظر في السنن المأثورة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فبها يصل الطالب إلى مراد الله جل وعز في كتابه، وهي تفتح له أحكام القرآن فتحًا. وفي سير رسول الله صلى الله عليه وسلم تنبيه على كثير من الناسخ والمنسوخ في السنن. ومن طلب السنن فليكن معوله على حديث الأئمة الثقات الحفاظ الذين جعلهم الله خزائن لعلم دينه، وأمناء على سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومما يستعان به على فهم الحديث ما ذكرناه من العون على كتاب الله، وهو العلم بلسان العرب، ومواقع كلامها، وسعة لغتها، واستعارتها، ومجازها، وعموم لفظ مخاطبتها وخصوصه، وسائر مذاهبها؛ لمن قدر فهو شيء لا يستغني عنه.
ويلزم صاحب الحديث أن يعرف الصحابة المؤدين للدين عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، ويعني بسيرهم، وفضائلهم، ويعرف أحوال الناقلين عنهم، وأيامهم وأخبارهم، حتى يقف على العدول، وهو أمر قريب كله على من اجتهد. فمن اقتصر على علم إمام واحد وحفظ ما كان عنده من السنن ووقف على غرضه ومقصده في الفتوى حصل على نصيب من العلم وافر، وحظ منه حسن صالح، فمن قنع بهذا اكتفى والكفاية غير الغنى.
ومن طلب الإمامة في الدين، وأحب أن يسلك سبيل الذين جاز لهم الفتيا نظر في أقاويل الصحابة والتابعين، والأئمة في الفقه. إن قدر على ذلك نأمره بذلك كما أمرناه بالنظر في أقاويلهم في تفسير القرآن، فمن أحب الاقتصار على أقاويل علماء الحجاز، اكتفى واهتدى - إن شاء الله - وإن أحب