الإشراف على مذاهب الفقهاء متقدميهم ومتأخريهم بالحجاز والعراق، وأحب الوقوف على ما أخذوا وتركوا من السنن، وما اختلفوا في تثبيته وتأويله، من الكتاب والسنة، كان ذلك مباحًا، ووجهًا محمودًا إن فهم وضبط ما علم أو سلم من التخليط نال درجة رفيعة ووصل إلى جسيم من العلم واتسع ونبل؛ إذا فهم ما اطلع، وبهذا يحصل الرسوخ لمن فقهه الله، وصبر على هذا الشأن، واستحلى مرارته، واحتمل ضيق المعيشة فيه.
واعلم يا أخي إن المفرط في حفظ المولدات لايؤمن عليه الجهل بكثير من السنن، إذا لم يكن تقدم علمه بها. وإن المفرط في حفظ طرق الآثار دون الوقوف على معانيها، وما قال الفقهاء فيها؛ لصفر من العلم، وكلاهما قانع بالشم من المطعم، ومن الله التوفيق والحرمان، وهو حسبي وبه أعتصم.
واعلم يا أخي أن الفروع لا حدَّ لها تنتهي إليه أبدًا، ولذلك تشعبت، فمن رام أن يحيط بآراء الرجال فقد رام ما لا سبيل له، و لا لغيره إليه؛ لأنه لا يزال يرد عليه ما لايسمع ولعله أن ينسى أول ذلك بآخره، لكثرته، فيحتاج أن يرجع إلى الاستنباط الذي كان يفزع منه، ويجبن عنه تورعًا بزعمه أن غيره كان أدرى بطريق الاستنباط منه، فلذلك عول على حفظ قوله، ثم إن الأيام تضطره إلى الاستنباط مع جهله بالأصول، فجعل الرأي أصلًا واستنبط عليه.
واعلم أنه لم تكن مناظرة بين اثنين أو جماعة من السلف إلا لتفهم وجه الصواب، فيصار إليه، ويعرف أصل القول وعلته، فيجري عليه أمثلته ونظائره.
فعليك يا أخي بحفظ الأصول والعناية بها.
واعلم أن من عني بحفظ السنن والأحكام المنصوصة في القرآن ونظر في أقاويل الفقهاء، فجعله عونًا له على اجتهاده، ومفتاحًا لطرائق النظر، وتفسيرًا لجمل السنن المحتملة للمعاني، ولم يقلد أحدًا منهم تقليد السنن التي يجب الانقياد إليها على كل حال، دون نظر، ولم يرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن وتدبرها، واقتدى بهم في البحث والتفهم والنظر، وشكر لهم سعيهم فيما أفادوه ونبهوا عليه، وحمدهم على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم، ولم يبرئهم من الزلل كما لم يبرؤوا أنفسهم منه، فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه السلف الصالح، وهو المصيب لحظه، والمعاين لرشده، والمتابع لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهدي صحابته رضي الله عنهم.