فكان جمهور الرأي من الكوفة؛ إذ هو غالب على أهلها، مع ما كان فيهم من التشيع الفاحش، وكثرة الكذب في الرواية، مع أن في خيار أهلها من العلم والصدق والسنة والفقه والعبادة أمر عظيم، لكن الغرض أن فيها نشأ كثرة الكذب في الرواية، وكثرة الآراء في الفقه والتشيع في الأصول.
وكان جمهور الكلام والتصوف في البصرة.
وكان أهل المدينة أقرب من هؤلاء وهؤلاء في القول والعمل إذ لم ينحرفوا انحراف الطائفتين من الكوفيين والبصريين: هوى ورواية، ورأيا وكلامًا وسماعًا، وإن كان في بعضهم نوع انحراف لكنهم أقرب.
وأمّا الشاميون فكان غالبهم مجاهدين، وأهل أعمال قلبية، أقرب إلى الحال المشروع من صوفية البصرة إذ ذاك.
وقد شرك هؤلاء من البغداديين والخراسانيين والشاميين خلق، لكن الغرض أن الأصول ثمّ. كما أن علم النبوة من الإيمان والقرآن وما يتبع ذلك من الفقه والحديث وأعمال القلوب إنما خرجت من الأمصار التي يسكنها جمهور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي: الحرمان، والعراقان، والشام: المدينة ومكة، والكوفة والبصرة، والشام، وسائر الأمصار تبع.
فالقراء السبعة من هذه الأمصار، وكذلك أئمة أهل الحديث وأثبتهم أهل المدينة وأهل البصرة كالزهري، ومالك، وكقتادة، وشعبة، ويحي بن سعيد، وعبدالرحمن بن مهدي.
وأهل الكوفة فيهم الصادق والكاذب.
وأهل الشام لم يكن فيهم كثير كاذب، ولا أئمة كبار في القراءة والحديث، وكذلك أئمة الفقهاء، فمالك عالم أهل المدينة، و الثوري وأبو حنيفة وغيرهما من الكوفة، وابن جريج وغيره من أهل مكة، وحماد بن سلمة وحماد بن زيد من أهل البصرة، والأوزاعي وطبقته بالشام. وقد قيل: إن مالكًا إنما احتذى موطأه على كتاب حماد بن سلمة. وقيل: إن كتاب ابن جريج قبل ذلك. ثم الشافعي - وإن كان أصله مكيًا - فإنه تفقه على طريقة أهل الحديث، غير متقيد بمصره، وكذلك الإمام أحمد - وإن كان أجداده بصريين - فإنه تفقه على طريقة أهل الحديث غير متقيد بالبصريين و لا غيرهم، كما أن عبدالله بن المبارك وإسحاق