الصفحة 46 من 205

فهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الذي انبتته الأرض الطيبة وهو الذي تميزت به هذه الطبقة عن الطبقة الثانية: وهي (يعني: الطبقة الثانية) التي حفظت النصوص فكان همها حفظها وضبطها فوردها الناس وتلقوها بالقبول، واستنبطوا منها واستخرجوا كنوزها واتجروا فيها، وبذروها في أرض قابلة للزرع والنبات، وردوها كل بحسبه {قد علم كل أناس مشربهم} ، وهؤلاء الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم:"نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها ثم أدّاها كما سمعها"فرب حامل فقه وليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". [1] "

وهذا عبدالله بن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة، وترجمان القرآن، مقدار ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم لا يبلغ نحو العشرين حديثًا الذي يقول فيه:"سمعت"و"رأيت" [2]

(1) حديث متواتر. نص السيوطي في مفتاح الجنة ص21، على تواتره، كما أورده الكتاني في نظم المتناثر في الحديث المتواتر ص24 - 25.

فائدة: يلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم سمّى الحديث فقهًا، فكل ما يُسميه بعض الناس فقهًا ولم يكن مبنيًا على الحديث فليس بفقه. وانظر جامع بيان العلم وفضله (2/ 27) .

تنبيه: ليس معنى هذا الحديث أن من أهل الحديث من لا فقه عنده، بل الحديث اثبت فقهًا وفهمًا لدى الناقل، ألا ترى إلي استعماله أفعل التفضيل، في قوله: "أوعى" و"أفقه"، ثم"ربّ"التي تفيد التقليل.

قال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (4/ 92) :"قد يكتب العالم كتابًا أو يقول قولًا فيكون بعض من لم يشافهه به اعلم بمقصوده من بعض من شافهه به كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"فرب مبلغ أوعى من سامع"لكن بكل حال لا بد أن يكون المبلِّغ من الخاصة العالمين بحال المبلَّغ عنه، كما يكون في اتباع الأئمة من هو أفهم لنصوصهم من بعض أصحابهم"اهـ.

(2) كذا قال عليه من الله الرحمة والرضوان، وقد اعتنى ابن حجر العسقلاني بجمع الأحاديث التي صرّح فيها ابن عباس بالسماع من النبي صلى الله عليه وسلم قال في فتح الباري (11/ 383) :"وقد اعتنيت بجمعها فزاد على الأربعين ما بين صحيح وحسن، خارجًا عن الضعيف، وزائدًا أيضًا على ما هو في حكم السماع كحكايته حضور شيء فعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم"اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت