الصفحة 47 من 205

وسمع الكثير من الصحابة؛ بورك له في فهمه والاستنباط منه، حتى ملأ الدنيا علمًا وفقهًا. قال أبومحمد بن حزم:"وجمعت فتواه في سبعة أسفار كبار". وهي بحسب ما بلغ جامعها، وإلا فعلم ابن عباس كالبحر، وفقهه واستنباطه وفهمه في القرآن بالموضع الذي فاق به الناس، وقد سمعوا ما سمع وحفظوا القرآن كما حفظه، ولكن أرضه كانت من أطيب الأراضي وأقبلها للزرع، فبذر فيها النصوص، فأنبتت من كل زوج كريم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

وأين تقع فتاوى ابن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره؟

وأبو هريرة أحفظ منه! بل هو حافظ الأمة على الإطلاق، يؤدي الحديث كما سمعه ويدرسه بالليل درسًا، فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وتبليغ ما حفظه كما سمعه، وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط وتفجير النصوص، وشق الأنهار منها، واستخراج كنوزها.

وهكذا ورثتهم من بعدهم: اعتمدوا في دينهم على استنباط النصوص لا على خيال فلسفي، و لا رأي قياسي، و لا غير ذلك من الآراء المبتدعات، لا جرم كانت الدائرة والثناء الصدق والجزاء العاجل والآجل لورثة الأنبياء التابعين لهم في الدنيا والآخرة، فإنّ المرء على دين خليله، {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} .

وبكل حال: فهو اعلم الأمة بحديث الرسول وسيرته ومقاصده وأحواله، ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه آو كتابته أو روايته، بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهرًا أو باطنًا، واتباعه باطنًا وظاهرًا، وكذلك أهل القرآن.

وأدنى خصلة في هؤلاء: محبة القرآن والحديث والبحث عنهما وعن معانيهما، والعمل بما علموه من موجبهما، ففقهاء الحديث أخبر بالرسول من فقهاء غيرهم، وصوفيتهم أتبع للرسول من صوفية غيرهم، وأمراؤهم أحق بالسياسة النبوية من غيرهم، وعامتهم أحق بموالاة الرسول من غيرهم"اهـ [1] "

(1) مجموع الفتاوى"4/ 92 - 95"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت