وكذلك سائر رؤوسهم وأرباب المقالات منهم إذا تدبرت أقوالهم رأيتهم متفرقين يكفر بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض.
وكذلك الخوارج والروافض فيما بينهم وسائر المبتدعة بمثابتهم. وهل على الباطل دليل أظهر من هذا، قال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله} [الأنعام:159] .
وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة، وطريق النقل فأورثهم الاتفاق والائتلاف وأهل البدعة، أخذوا الدين من المعقولات، والآراء فأورثهم الافتراق والاختلاف، فإن النقل والرواية من الثقات والمتقنين قلّما يختلف. وإن اختلف في لفظ أو كلمة فذلك اختلاف لا يضر الدين ولايقدح فيه. وأمّا دلائل العقل فقلما يتفق، بل عقل كل واحد يرى صاحبه غير مايرى الآخر، وهذا بيِّن والحمد لله. وبهذا يظهر مفارقة الاختلاف في مذاهب الفروع اختلاف العقائد في الأصول.
فإنّا وجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم من بعده اختلفوا في أحكام الدين، فلم يفترقوا ولم يصيروا شيعًا؛ لأنهم لم يفارقوا الدين، ونظروا فيما أذن لهم [من اجتهاد إلى الرأي والاستنباط من الكتاب والسنة فيما لم يجدوا فيه نصًا] ؛ فاختلفت أقوالهم وآراؤهم في مسائل كثيرة مثل مسألة الجد، والمشركة، وذوي الأرحام، ومسألة الحرام في أمهات الأولاد، وغير ذلك مما يكثر تعداده، من مسائل البيوع والنكاح والطلاق، وكذلك في مسائل كثيرة من باب الطهارة، وهيئات الصلاة، وسائر العبادات. فصاروا باختلافهم في هذه الأشياء محمودين وكان هذا النوع من الاختلاف رحمة من الله لهذه الأمة، حيث أيدهم باليقين، ثمّ وسع العلماء النظر فيما لم يجدوا حكمه في التنزيل والسنة، فكانوا مع هذا الاختلاف أهل الاختلاف أهل مودة ونصح، وبقيت بينهم أخوة الإسلام، ولم ينقطع عنهم نظام الألفة.
فلما حدثت هذه الأهواء المردية الداعية صاحبها إلى النار؛ ظهرت العداوة وتباينوا وصاروا أحزابًا، فانقطعت الأخوة في الدين وسقطت الألفة، فهذا يدل على أن هذا التباين والفرقة إنما حدثت من المسائل المحدثة التي ابتدعها الشيطان، فألقاها على أفواه أوليائه، ليختلفوا ويرمي بعضهم بعضًا بالكفر.
فكل مسألة حدثت في الإسلام فخاض فيها الناس، فتفرقوا واختلفوا فلم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة، ولا بغضا ولاتفرقًا بينهم وبقيت الألفة والنصيحة والمودة والرحمة والشفقة، علمنا أن ذلك من مسائل الإسلام، يحل النظر فيها، والأخذ بقول من تلك الأقوال، لايوجب تبديعًا و لاتكفيرًا كما ظهر مثل هذا الاختلاف بين الصحابة والتابعين، مع بقاء الألفة والمودة. وكل مسألة حدثت فاختلفوا فيها فأورث