اختلافهم في ذلك التولي والإعراض والتدابر والتقاطع، وربما ارتقى إلى التكفير؛ علمت أن ذلك ليس من أمر الدين في شيء، بل يجب على كل ذي عقل أن يجتنبها، ويعرض عن الخوض فيها، لأن الله شرط تمسكنا بالإسلام أنا نصبح في ذلك إخوانًا، فقال تعالى: {واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا} [آل عمران:103] ."اهـ. [1] "
وقال ابن تيمية رحمه الله:"إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالًا من قول إلى قول، وجزمًا بالقول في موضع وجزمًا بنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم يقين؛ فإن الإيمان كما قال قيصر لمّا سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم:"هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا. قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب، لا يسخطه أحد" [2] "
ولهذا قال بعض السلف - عمر بن عبد العزيز أو غيره -"من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل".
وأمّا أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم، و لا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبرًا على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء
(1) الانتصار لأهل الحديث، بواسطة صون المنطق والكلام ص165ـ169. وقارن بـ"الاعتصام" (2/ 231ـ233) فقد لخص جملة هذا الفصل، ولكنه لم ينسبه إلى أبي المظفر السمعاني، بل قال:"قال بعض العلماء"ثم ساقه ملخصًا مقاصده.
(2) حديث صحيح، عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه. أخرجه البخاري في مواضع منها في كتاب بدء الوحي في سياق طويل، تحت رقم (7) ، وأخرجه في كتاب الإيمان باب سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان ... ، تحت رقم (51) مختصرًا ولفظه:"عن عَبْدَاللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ".