الصفحة 54 من 205

وأتباعهم من المتقدمين، كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف هذه الأمة والصحابة والتابعين، وغيرهم من الأئمة، حتى كان مالك رحمه الله يقول:"لا تغبطوا أحدًا لم يصبه في هذا الأمر بلاء"يقول: إن الله لا بد أن يبتلي المؤمن، فإن صبر رفع درجته، كما قال تعالى: {الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا: آمنا وهم لا يفتنون؟ ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} [العنكبوت:1 - 3] ، وقال تعالى: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة:24] ، وقال تعالى: {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [سورة العصر] .

ومن صبر من أهل الأهواء على قوله، فذاك لما فيه من الحق، إذ لا بد في كل بدعة عليها طائفة كبيرة من الناس أن يكون فيها من الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ويوافق عليه أهل السنة والحديث ما يوجب قبولها، إذ الباطل المحض لا يقبل بحال.

وبالجملة: فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة، بل المتفلسف أعظم اضطرابًا وحيرة في أمره من المتكلم؛ لأن عند المتكلم من الحق الذي تلقاه عن الأنبياء ماليس عند المتفلسف ولهذا تجد أبي الحسين البصري وأمثاله أثبت من مثل ابن سينا وأمثاله.

وأيضًا تجد أهل الفلسفة والكلام اعظم الناس افتراقًا واختلافًا مع دعوى كل منهم أن الذي يقوله حق مقطوع به، قام عليه البرهان. وأهل السنة والحديث أعظم الناس اتفاقًا وائتلافًا، وكل من كان من الطوائف إليهم أقرب كان إلى الاتفاق والائتلاف أقرب، فالمعتزلة أكثر اتفاقًا وائتلافًا من المتفلسفة؛ إذ للفلاسفة في الإلهيات والمعاد والنبوات، بل وفي الطبيعيات والرياضيات وصفات الأفلاك من الأقوال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال.

وقد ذكر من جمع مقالات الأوائل، مثل أبي الحسن الأشعري في كتاب المقالات، ومثل القاضي أبي بكر في كتاب الدقائق من مقالاتهم، بقدر ما يذكره الفارابي وابن سينا وأمثالهما أضعافًا مضاعفة. ..."اهـ [1] "

(1) نقض المنطق (ص42 - 44) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت