وأمّا أهل الرواية إذا اجتمع عندهم من ألفاظ الرسول وكلام الصحابة والتابعين، وغيرهم في التفسير، والفقه، وأنواع العلوم؛ لم يتصرّفوا في ذلك بل نقلوه كما سمعوه، وأدّوه كما حفظوه، وربّما كان لكثير منهم من التصرّف والتمييز في صحة الحديث وضعفه من جهة إسناده وروايته ماليس لغيرهم"اهـ [1] ."
المعلم الثاني:
يتبعون الحديث الصحيح حيث كان إذا كان معمولًا به عند الصحابة ومن بعدهم، أو عند طائفة منهم. فإن اتفق السلف على ترك العمل بحديث تابعوهم وعلموا أنهم ما تركوه إلا على علم أنه لايعمل به.
قال ابن رجب رحمه الله:"فأمّا الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح، حيث كان، إذا كان معمولًا به عند الصحابة، ومن بعدهم، أو عند طائفة منهم. فأمّا ما اتفق السلف على تركه، فلا يجوز العمل به لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل به."
قال عمر بن عبد العزيز: خذوا من الرأي ما يوافق من كان قبلكم؛ فإنهم كانوا اعلم منكم.
فأمّا ما خالف عمل أهل المدينة من الحديث، فهذا كان مالك يرى الأخذ بعمل أهل المدينة. والأكثرون أخذوا بالحديث" [2] "
(1) رسالة"جميع الرسل كان دينهم الإسلام"لابن رجب ص34ـ38.
(2) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص57.
قلت: ومالك رحمه الله حينما كان يأخذ بعمل أهل المدينة وإن كان الحديث على خلافه؛ فإن ذلك منه اجتهاد في متابعة السنة والحديث، إذ كان يرى أن ترك أهل المدينة العمل بهذا الحديث إنما كان لعلة فيه تمنع العمل به. فهو رحمه الله من أجل مراعاة الأصل المقرر وهو متابعة الصحابة رضوان الله عليهم فيما جاء عنهم كان الإمام مالك يقدم عمل أهل المدينة على النص. قال ابن أبي زيد القيرواني في جامعه ص117 - 118:"قال مالك: قال عمر بن عبدالعزيز: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننًا الآخذ بها تصديقًا بكتاب الله واستكمالًا لطاعة الله وقوة على الدين الله، ليس لأحد تبديلها و لاتغييرها، ولا النظر فيما خالفها. من اقتدى بها مهتد ومن استنصر بها منصور. ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا."
قال مالك: أعجبني عزم عمر. قال مالك: والعمل أثبت من الأحاديث. قال من أقتدي به: إنه يصعب أن يقال في مثل ذلك: حدثني فلان عن فلان، وكان رجال من التابعين تبلغهم عن غيرهم فيقولون ما نجهل هذا، ولكن مضى العمل على خلافه. وكان محمد بن أبي بكر بن حزم ربما قال له أخوه: لِمَ لَمْ تقض بحديث كذا؟ فيقول: لم أجد الناس عليه. قال النخعي: لو رأيت الصحابة يتوضؤون إلى الكوعين لتوضأت كذلك. وأنا أقرأها {إلى المرافق} وذلك لأنهم لا يتهمون في ترك السنن، وهم أرباب العلم، وأحرص خلق الله على اتباع رسول الله عليه السلام، فلا يظن ذلك بهم أحد إلا ذو ريبة في دينه. قال عبدالرحمن بن مهدي: السنة المتقدمة من سنة أهل المدينة خير من الحديث. قال ابن عيينة: الحديث مضلة إلا للفقهاء. يريد أن غيرهم قد يحمل شيئًا على ظاهره، وله تأويل من حديث غيره، أو دليل يخفى عليه، أو متروك أوجب تركه غير شيء مما لا يقوم به إلا من استبحر وتفقه.
قال ابن وهب: كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو ضال، ولولا أن الله انقذنا بمالك والليث لضللنا"اهقلت: والمقصود بيان مأخذ الإمام مالك فيما ذهب إليه من عمل أهل المدينة. فهو إنما قدم العمل من أجله. ومسألة حجية عمل أهل المدينة فيها تفصيل بينه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله انظر مجموع الفتاوى (20/ 303 - 311) ]."