وكان العالم منهم يتكلم في جنس المسائل المأخوذة من الكتاب والسنة، سواء كانت من المسائل الخبرية العلمية؛ - كمسائل التوحيد، والأسماء والصفات، والقدر والعرش، والكرسي، والملائكة، والجن، وقصص الأنبياء، ومسائل الأسماء والأحكام، والوعد والوعيد، وأحوال البرزخ، وصفة البعث والمعاد، والجنة والنار، ونحو ذلك. - أو من أعمال الجوارح - كالطهارة، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والجهاد، وأحكام المعاوضات، والمناكحات، والحدود، والأقضية، والشهادة، ونحو ذلك. - أو من المسائل العلمية سواء كانت من أعمال القلوب؛ - كالمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والزهد، والتوبة، والشكر، والصبر، ونحو ذلك.
وإن كان لبعضهم في نوع من هذه الأنواع من مزيد العلم والمعرفة والحال ما ليس له في غيره مثله؛ كما كان يقال في أئمة التابعين الأربعة: - سعيد بن المسيب إمام أهل المدينة، وعطاء بن أبي رباح إمام أهل مكة، وإبراهيم النخعي إمام أهل الكوفة، والحسن البصري إمام أهل البصرة - كان يقال:
أعلمهم بالحلال والحرام: سعيد بن المسيب.
وأعلمهم بالمناسك: عطاء.
وأعلمهم بالصلاة إبراهيم.
واجمعهم الحسن.
وكان أهل الدراية والفهم من العلماء إذا اجتمع عند الواحد منهم من ألفاظ الكتاب والسنة ومعانيها، وكلام الصحابة والتابعين ما يسّره الله له؛ جعل ذلك أصولًا وقواعد يبني عليها، ويستنبط منها؛ فإن الله تعالى أنزل الكتاب بالحق والميزان. والكتاب فيه كلمات كبيرة هي قواعد كلية عامة، تشمل أنواعًا عديدة، وجزئيات كثيرة، و لا يهتدي كل أحد إلى دخولها تحت تلك الكلمات، بل ذلك من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء في كتاب. وأمّا الميزان فهو الاعتبار الصحيح. وهو من العدل والقسط الذي أمر الله بالقيام به كالجمع بين المتماثلين لاشتراكهما في الأوصاف الموجبة للجمع. والتفريق بين المختلفين لاختلافهما في الأوصاف الموجبة للفرق. وكثيرًا ما يخفى وجه الاجتماع والافتراق، ويدق فهمه.