الصفحة 64 من 205

وهجر الأحاديث والآثار السلفية، واعتماد مجرد اللغة والعقل في فهم القرآن والحديث، طريق ركبه في هذا القرن أهل الاستشراق، فإن أحوجهم البحث إلى خبر نقلوه من كتب الجاحظ، أو من كتاب الأغاني، أو من العقد الفريد، فإن ضاق عليهم النقل، قالوا: هذا مقتضى العقل!!

فالمسلم الذي يتبع ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يقيد فقهه وفهمه للقرآن العظيم والسنة النبوية بفقه الصحابة رضوان الله عليهم، لا يخرج عنهم، فإن بدى له اجتهاد أو نظر في مسألة نظر هل له سلف فيها يأتمّ به، و إلا ترك؛ إذ كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف، وعليكم بالأمر العتيق.

ويمكن تلخيص منهج أهل الحديث في التفقه في المعالم التالية:

المعلم الأوّل:

لا فرق عندهم بين الحديث والفقه [1] .وإنما يتعلم الطالب القرآن والحديث ممن يعلم ذلك. ويتعلم الفقه في الدين من شرائع الإسلام الظاهرة، وحقائق الإيمان الباطنة ممن يعلم ذلك. يجمعون ذلك ويطلبونه، فكل محدِّث فقيه، وكل فقيه محدِّث، وإنما كان فيهم من الغالب عليه الرواية، ومن الغالب عليه الدراية.

قال ابن رجب رحمه الله تعالى:"إن الله تعالى حفظ هذه الشريعة بما جعل لها من الحملة: أهل الدراية، وأهل الرواية."

فكان الطالب للعلم والإيمان يتلقى ذلك ممن يدركه من شيوخ العلم والإيمان؛ فيتعلّم [الطالب] : القرآن والحديث ممن يعلم ذلك. ويتعلم الفقه في الدين من شرائع الإسلام الظاهرة، وحقائق الإيمان الباطنة ممن يعلم ذلك.

وكان الأغلب على القرون الفاضلة جمع ذلك كله؛ فإن الصحابة تلقوا عن النبي صلى الله عليه وسلم جميع ذلك، وتلقاه عنهم التابعون، وتلقى عن التابعين تابعوهم، فكان الدين حينئذٍ مجتمعًا.

ولم يكن قد ظهر الفرق بين مسمّى الفقهاء، وأهل الحديث. ولا بين علماء الأصول والفروع. و لا بين الصوفي والفقير والزاهد. وإنما انتشرت هذه الفروق بعد القرون الثلاثة. وإنما كان السلف يسمّون أهل العلم والدين: القرّاء، ويقولون: يقرأ الرجل: إذا تنسك.

(1) انظر جامع بيان العلم وفضله (2/ 27)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت