وهذا ملحوظ في التعريف الأول بوضوح، ويستفاد في التعريف الثاني من قوله:"إجالة الخاطر في مقدمات يرجى منها .."إذ إجالة الخاطر لا تكون في الأمر الظاهر الذي لا تتعارض فيه الأمارات، وكذا في التعريف الثالث.
2 ـ أن الرأي عملية نظرية تتم بالتأمل فهو نظر بعين البصيرة حيث يجال النظر في المقدمات التي يراد معرفة المطلوب منها. وهذا ملحوظ في التعريف الثاني، ويستفاد من تأمل التعريف الأول والثالث.
3 ـ أن الرأي يستهدف معرفة المطلوب، ومما يعين فيه التأمل والنظر في العاقبة. وهذا ملحوظ في التعريف الثالث، وهو مستفاد من التعريف الأول والثاني.
وتسمى القضية المستنتجة من الرأي: رأي. من باب تسمية المفعول بالمصدر [1] . والحاصل أن الرأي في اللغة لا بد فيه من الأمور التالية:
1ـ أن يتم بالنظر والتأمل فهو بعين البصيرة لا بالعين الباصرة.
2ـ أنه في الأمور المتجاذبة الأمارات، لا في الأمور البدهية، أو التي لا اختلاف فيها، أو لا تتعارض فيها الأمارات، ولو احتاج إلى تأمل كدقائق الحساب ونحوها [2] .
3ـ يطلب فيه معرفة رجحان أحد طرفي المختلفين.
4ـ نتيجته بغلبة الظن. فلا يقال في الأمر الذي يفيد العلم واليقين: إنه رأي.
قال الخطيب البغدادي رحمه الله:"النظر: ضربان."
ضرب هو النظر بالعين؛ فهذا حدّه الإدراك بالبصر.
والثاني: النظر بالقلب؛ فهذا حدّه الفكر في حال المنظور فيه. والمنظور فيه هو الأدلة والأمارات الموصلة إلى المطلوب، والمنظور له هو الحكم؛ لأنه ينظر لطلب الحكم، والناظر هو الفاعل للفكر. ....
وأمّا الرأي فهو استخراج صواب العاقبة، فمن وضع الرأي في حقه واستعمل النظر في موضعه؛ سدد إلى الحق المطلوب، كمن قصد المسجد الجامع فسلك طريقه، ولم يعدل عنه أداه إليه وأورده
(1) الكليات ص480، إعلام الموقعين (1/ 66) .
(2) إعلام الموقعين (1/ 66) .