وقد ألحق بكل مستشفى مكتبة عامرة بكتب الطب وغيرها مما يحتاجه الأطباء وتلاميذهم، يرجع إليها الطلاب والأساتذة ؛ إذ لا يكتفي الأساتذة بالشرح، بل يأخذون الطلاب إلى المكتبة، ويدلونهم إلى المراجع في موضوع الدرس، وقد يطول بهم المقام داخل المكتبة الساعات الطوال في قراءات ومناقشات مع الأساتذة (1) ، ومن ذلك ما ذكره ابن أصيبعة عند ترجمته لأبي المجد ابن أبي الحكم، الذي جعل له الملك أمر الطب في البيمارستان الكبير الذي أنشأه نور الدين زنكي (1118-1174) بدمشق، فقد كان أبو الحكم (( يدور على المرضى به، ويتفقد أحوالهم، ويعتبر أمورهم، وبين يديه المشارفون والقوام لخدمة المرضى، فكان جميع ما يكتبه لكل مريض من المداواة والتدبير لا يؤخر عنه ولا يتوانى في ذلك.. وكان بعد فراغه من ذلك وطلوعه إلى القلعة وافتقاده المرضى (( أعيان الدولة ) )، يأتي و يجلس في الإيوان الكبير الذي للبيمارستان وجميعه مفروش، ويحضر الاشتغال. وكان نور الدين رحمه الله قد وقف على البيمارستان جملة كبيرة من الكتب الطبية، وكانت في الخرستانين ( الخزانتين ) اللتين في صدر الإيوان، فكان جماعة من الأطباء والمشتغلين يأتون إليه، ويقعدون بين يديه ثم تجرى مباحث طبية ويُقرئ التلاميذ، ولا يزال معهم في اشتغال ومباحثة ونظر في الكتب مقدار ثلاث ساعات ثم يركب إلى داره )) (2) .
(1) عبد الرحمن عبد الرحمن النقيب، الإعداد التربوي، مرجع سابق، 121.
(2) ابن أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، (بيروت: دار مكتبة الحياة، 1965م) ، 628.