وبذلك نجد أن الوقف يعد من مآثر الإسلام ومفاخره ؛ لما حققه من إصلاح حياة المجتمع، ولما له من دور فعال في عملية التطور والنمو في جميع مناحي الحياة على مدى العصور الإسلامية. ومن هذا المنطلق فإن نظام الأوقاف - باعتباره أحد أنظمة النسق الاجتماعي الإسلامي العام - هو مصدر من مصادر قوة المجتمع والدولة معًا، وهو بمثابة مجال مشترك على محور العلاقة بينهما (1) :
فيكون مصدرًا لقوة المجتمع بما يوفره من مؤسسات وأنشطة أهلية تظهر بطريقة تلقائية، وتتمتع بالتمويل الذاتي، وبالاستقلال الإداري، والتنويع الوظيفي، ويتم من خلالها تقديم العديد من الخدمات.
ويكون مصدرًا لقوة الدولة بما يخفف عنها من أعباء القيام بأداء تلك الخدمات، وبما يُعبئه للدولة من موارد تعينها على القيام بوظائفها الأساسية في حفظ الأمن والقيام بواجب الدفاع، فضلا عن أن احترام سلطة الدولة لهذا النظام ومشاركة رموزها في دعمه والمحافظة عليه، من شأنه أن يقوي من شرعية هذه السلطة نفسها ويوثق علاقتها بالمجتمع.
وفكرة المجال المشترك التي يدعمها نظام الوقف لها ثلاثة عناصر رئيسية وهي (2) :
أنها تقوم على أساس قاعدة نظرية مستقلة، بحيث إنها ليست من وضع سلطة الدولة ولا من وضع سلطة اجتماعية، وإنما مصدرها هو أحكام الشريعة الإسلامية متضمنة مفهوم الصدقة الجارية.
وأنه يسهم في تكوينه الحكام والمحكومون.
تحقيق فائدة مشتركة لكل من المجتمع والدولة معًا، فالأوقاف تزيد من قوة التضامن الاجتماعي وتؤدي إلى شد أزر الدولة، ولا تنقص من قوتها.
(1) إبراهيم بيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر ( القاهرة: دار الشروق، 1419هـ= 1998م ) ، 27-28.
(2) المرجع سابق، 27-28.