كذلك نجد (( أن غالبية وثائق الوقف قد نصت بالسماح لأرباب الوظائف والطلبة تأدية فريضة الحج، وأن يحصلوا على مرتباتهم إذا كان الحج لتأدية الفريضة، أما إذا كان تطوعًا فيلزم الموظف أن يستنيب عنه، أو يُقطع معلومه حتى عودته ) ) (1) .
كما كفل الوقف للدعاة والعلماء والفقهاء في مختلف العصور الإسلامية فرص العيش الكريم، الذي يضمن لهم الاستقرار حتى يمكنهم أن يؤدوا رسالتهم على أكمل وجه، ويكونوا أحرارًا في اختيار الدراسات، والبحوث، والكتب التي تستخدم في العملية التعليمية، وأوسع من ذلك الحرية التي أتاحت لهم قول الحق، وتعضيد حرية الفكر والتعبير عنه، وإصدار آراء وأحكام اتفقت مع الشريعة، وأجبرت السلطة الزمنية على الخضوع لقيم الشريعة، كما فعل أبو حنيفة مع الخليفة المنصور عند اجتماعه بالفقهاء (2) ، وكان نتيجة لهذه الحرية التي استمتع بها المسلمون، ولضمان فرص العيش، (( الاندماج في بحوث أدبية وعلمية وفلسفية وطبيعية أصيلة بدون خوف من انقطاع الموارد الموقوفة على البحث العلمي، أو على العلماء الإنسانيين والطبيعيين ) )، فنجد الكثير من العلماء أمثال الخوارزمي وغيره، ممن لم يكن ليصلوا إلى ما أحرزوه من معادلات جبرية ورياضية وهندسية إلا نتيجة لما خصص لهم من أموال أنفقت عليهم من الوقوف التي أوقفت على المدارس التي درسوا أو دَرَّسوا فيها، أو على ما أرصدوا من أموال على المراصد الفلكية، وعلى المكتبات التي استخدموها (3)
(1) محمد محمد الأمين، مرجع سابق، 251.
(2) سعد الدين صالح، الوقف وأثره في الناحية الاجتماعية والفكرية، ألقي في: ندوة الوقف الإسلامي، جامعة الامارات العربية المتحدة، كلية الشريعة والقانون، 6-7 شعبان 1418هـ الموافق 6-7 ديسمبر 1997، 11-12.
(3) عبد الملك أحمد السيد، مرجع سابق، 247-248 نقلًا عن: