فهرس الكتاب
فهم يتعجبون من أن يبعثهم الله بعد أن تفرقت أجسادهم في الأرض، وتمزقت فلم يبق ما يمسكها، أوَ بعد كل ما حصل يعودون كما كانوا؟! [1] . وكأنهم يقولون:"هل ندلكم على رجل عجيب غريب، ينطق بقول مستنكر بعيد، حتى ليقول: إنكم بعد الموت والبلى والتمزق الشديد تخلقون من جديد، وتعودون للوجود" [2] . وهذا الاستهزاء كان بأسلوب الاستفهام المساق للاستهزاء.
الاستهزاء الخامس: يقول تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) [3]
فالمنافقون يستمعون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن إذا خرجوا من عنده - صلى الله عليه وسلم - سأل المنافقون أهل العلم من الصحابة - رضوان الله عليهم -عن الذي قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم - بصورة الاستعلام ولكنهم يستهزئون.
يقول أبو السعود:" (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) هم المنافقون ( ... ) كانوا يحضرون مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيسمعون كلامه، ولا يَعونه، ولا يراعونه حق رعايته تهاونًا منهم (حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) من الصحابة - رضوان الله عليهم - (مَاذَا قَالَ آنِفًا) ؛ أي: ما الذي قال الساعة؟ على طريق الاستهزاء، وإن كان بصورة الاستعلام" [4] . ومعنى: (قَالَ آنِفًا) ؛ أي: قال سالفًا فيما سبق [5] .
وهذا الاستهزاء بأسلوب الاستفهام المساق للاستهزاء. وهذا الأسلوب الاستهزائي كان يتبعه المنافقون - فيما يبدو - كثيرًا؛ حيث قال ابن عباس - رضي الله عنه:"كان قوم يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استهزاءً، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل"
(1) انظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مصدر سابق، الجزء 3، ص 694.
(2) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن، مصدر سابق، الجزء 22، ص 2895.
(3) سورة محمد / 16.
هذه الآية مدنية.
انظر ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، الجزء 2، ص 280.
(4) العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، مصدر سابق، الجزء 6، ص 88.
(5) انظر الرازي، مختار الصحاح، مصدر سابق، ص 22.