كله يضع الكفار الشروط التي تحدد ماهية النبي - صلى الله عليه وسلم-. وهذه الشروط افتراء من عند أنفسهم.
والشاهد في هذه الآية أن الكفار استهزأوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) . وقولهم: (الرَّسُولِ) تهكم واستهزاء؛ لأنهم لا يؤمنون به ولا برسالته، فوصفه بالرسول استهزاء منهم [1]
يقول الزمخشري:"وتسميته بالرسول سخرية منهم وطنْز" [2]
إذن؛ فالكفار أطلقوا المدح بقصد الاستهزاء والسخرية.
الاستهزاء الرابع: يقول تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) [3]
فهل أصبح الذي يُخبر الناس ببعث الله - سبحانه وتعالى - لهم - بعد أن أثبت الله نبوته ورسالته - موضع سخرية واستهزاء؟!
ولم يقل الكفار في هذه الآية: إن محمد بن عبد الله يقول: إنكم لفي خلق جديد بعد الموت. وإنما قالوا: (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ) فنكروه وقالوا: (رَجُلٍ) وعاملوه معاملة المجهول في طريقة الدلالة عليه، كأنهم يخبرون عن عجيبة من عجائب الدهر (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) . وهم كانوا يقصدون بذلك الاستهزاء والسخرية والتهكم والطنز. [4]
(1) انظر المنصوري، المقتطف من عيون التفاسير، مرجع سابق، الجزء 4، ص 8.
وانظر الصابوني، صفوة التفاسير، مرجع سابق، الجزء 10، ص 36.
(2) الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، مصدر سابق، الجزء 3، ص 270.
وانظر ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، مصدر سابق، الجزء 2، ص 79.
وانظر الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية و الدراية من علم التفسير، مصدر سابق، الجزء 4، ص 73.
(3) سورة سبأ / 7.
وهذه الآية مكية.
انظر ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، الجزء 2، ص 161.
(4) انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 14، ص ص 237 - 238.