إذن؛ فمقاطعة مجالس المستهزئين أمر واجب تدخل مخالفته المسلم إلى حظيرة الكفر بعد أن كان مؤمنًا، كل هذا لأنه ماشى المستهزئين فيما يذهبون إليه ولم ينكر عليهم، وإنما استروح إلى كلامهم كأنه كلام عادي ليس فيه حرمة تخرج المرء من الإسلام. فالتقوى هي التي تمنع المؤمن من مخالطة المستهزئين في مجالس استهزائهم؛ لأن هذا الجلوس وإن كان قصيرًا ولكنه عظيم الخطر.
ثالثًا: السخرية من المستهزئين.
يقول تعالى: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) [1]
إن نوحًا - عليه السلام - سخر من الساخرين كما سخروا منه. وفيه أن رد السخرية على الساخرين من منهاج دعوة الأنبياء - عليهم السلام - فهم قدوتنا ونحن على أثرهم مهتدون، نهتدي بهديهم ونسلك سبيلهم. [2]
وكذلك فإن القرآن الكريم قد سخر من الكفار والمنافقين في آيات كثيرة، ليس هذا المقام مقام عرضها وبيانها [3]
(1) سورة هود / 38
هذه الآية مكية
انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 9، ص 3.
(2) ولقد سبق بيان هذه الآية في المبحث الثالث من الفصل الأول، وفي المطلب الأول من المبحث الثاني من الفصل الثاني.
(3) انظر حفني، التصوير الساخر في القرآن الكريم، مرجع سابق. .
وانظر حفني، أسلوب السخرية في القرآن الكريم، مرجع سابق.
فقد أفاض مؤلف الكتابين في ذكر الشواهد التي تدل على أن القرآن قد سخر من الكفار سخرية عظيمة وكثيرة. ولم أعزُ إلى رقم الصفحة لأن موضوع استهزاء القرآن من الكفار هو الموضوع الرئيس فيهما.