الصفحة 142 من 195

إذن؛ فآية الأنعام [68] تدل على وجوب اعتزال مجالس الاستهزاء والمستهزئين [1] ،ولكن ما هو حكم الجلوس مع المستهزئين؟ حكمه الحرمة بل إن الجالس مع المستهزئين بالدين كافر مثلهم، يقول الواحدي:" (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) ؛ أي: إنكم كافرون مثلهم؛ لأن من رضي بالكفر فهو كافر، وهذا يدل على أن من رضي بمنكر يراه وخالط أهله، كان في الإثم بمنزلة المباشِر" [2]

وبعد ذلك في الآخرة سيجمع الله الذين استهزأوا مع الذين جلسوا معهم مستمعين؛ لأنهم شاركوهم في الكفر فكذلك الله يشارك بينهم في الخلود في نار جهنم أبدًا [3]

وقد قيل: إنها منسوخة، ولكن الصحيح أنها محكمة. قال الشوكاني:"وهذه الآية محكمة عند جميع أهل العلم، إلا ما يروى عن الكلبي، فإنه قال:"هي منسوخة بقوله (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) وهو أمر مردود؛ فإن التقوى اجتناب مجالس هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله ويستهزئون بها" [4] "

"وأولى مراتب النفاق أن يجلس المؤمن مجلسًا يسمع فيه آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها، فيسكت ويتغاضى؛ يسمي ذلك تسامحًا، أو يسميه دهاءً، أو يسميه سعة صدر وأفق، وإيمانًا بحرية الرأي! وهي الهزيمة الداخلية تدب في أوصاله ( ... ) ."

إن الحميّة لله ولدين الله ولآيات الله هي آية الإيمان، وما تفتر هذه الحمية إلا وينهار بعدها كل سد، وينزاح بعدها كل حاجز، وينجرف الحطام الواهي عند دفعة التيار. وإن الحمية لتكبت في أول الأمر عمدًا ثم تهمد ثم تخمد ثم تموت.

فمن سمع الاستهزاء بدينه في مجلس، فإما أن يدفع وإما أن يقاطع المجلس وأهله، فأما التغاضي والسكوت فهو أول الهزيمة، وهو المعبر بين الإيمان والكفر على قنطرة النفاق" [5] "

(1) انظر حسن بن محمد القمي، تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان، مصدر سابق، الجزء 5، ص 97.

(2) علي بن أحمد الواحدي (ت 468 هـ / 1076م) ، الوسيط في تفسير القرآن المجيد، تحقيق عادل أحمد وآخرِين، الجزء 2، الطبعة 1، دار الكتب العلمية، لبنان، 1994 م، ص ص 129 - 130

(3) انظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مصدر سابق، الجزء 1، ص754.

(4) الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية و الدراية من علم التفسير، مصدر سابق، الجزء 1، ص 608.

(5) سيد قطب، في ظلال القرآن، مصدر سابق، الجزء 5، ص ص 780 - 781.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت