وفي هذه الآية لم يقل سبحانه وتعالى: وحاق بهم ما كانوا يستعجلون. وإنما قال: (وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) ؛ أي: وُضع (يستهزئون) موضع (يستعجلون) ؛ لأن استعجال الكفار كان على جهة الاستهزاء [1] .وقال تعالى: (وحاق بهم) . ولم يقل: سيحيق بهم؛ لأن الفعل الماضي يدل على تحقق وقوع العذاب، فكأن العذاب قد حاق وانتهى الأمر [2]
والكفار في استعجالهم العذاب كأنهم ينتظرونه، يقول تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(33) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) [3]
فهل ينتظر هؤلاء الكفار أن تأتيهم لقبض أرواحهم، أو ينتظرون أن يأتي أمر الله بالعذاب الذي يستأصلهم أو ينتظرون يوم القيامة الذي يجهز عليهم [4] .
وكذلك فعل الذين من قبلهم بأن استهزأوا فأصابهم (سيئات ما عملوا) ؛ أي: جزاء أعمال السوء التي يعملونها (وحاق بهم ما كانوا بهم يستهزئون) ؛ أي: نزل وأحاط بهم العذاب الذي كانوا به يستهزئون [5]
وتعبير القرآن الكريم بأن ما أصاب الكفار من العذاب سيئات أعمالهم - (فأصابهم سيئات أعمالهم) - له دلالة واضحة على أن الكفار لا يعاقَبون بشيء خارج عن ثمرة أعمالهم الذاتية التي فعلوها من تلقاء أنفسهم، مختارين لا مكرهين، فالذي يزرع الشوك لا أظنه - أبدًا - سيجني منه العنب [6]
(1) انظر الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، مصدر سابق، الجزء 2، ص 362.
(2) انظر الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، مصدر سابق، الجزء 2، ص 548.
(3) سورة النحل / 33 - 34
هاتان الآيتان مكيتان
انظر القرطبي، الجامع الأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 16، ص 57.
(4) النسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، مصدر سابق، الجزء 2، ص 211.
(5) انظر علي بن أحمد الواحدي (ت 468 هـ / 1076 م) ، الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق صفوان عدنان، الجزء 1،الطبعة 1، دار القلم، دمشق، 1995م، ص ص605 - 606.
(6) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن، مصدر سابق، الجزء 14، ص 2170.