يسلي الله - سبحانه وتعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بذكر استهزاء الأمم السابقة من أنبيائهم المرسلين إليهم، ويعلمهم بأن استهزاء الأمم السالفة لا يمنع إرسال الله - سبحانه وتعالى - الرسل، بل إن الله يرسل الرسل حتى للمستهزئين [1] .
والرسل الذين أرسلهم الله - سبحانه وتعالى - كثيرون كما يدل عليه قوله تعالى: (وكم أرسلنا من نبي في الأولين) ؛ لأن (كم) - هنا - هي الخبرية التي تحمل معنى التكثير، والمعنى: ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم السابقة [2] .
ورغم هذه الكثرة في إرسال الرسل فإن السابقين من الأمم اتبعوا منهجًا في استقبال الرسل، وهذا المنهج هو المنهج الاستهزائي (وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون) . وهذا الأسلوب الذي عُرض به استهزاء الكفار بالرسل هو أسلوب القصر بـ (ما) و (إلا) [3] .
فالكفار ما كان يأتيهم أي نبي إلا استهزأوا به، بل كانوا يجددون الاستهزاء حينًا بعد حين، وهذا ما تدل عليه الجملة الفعلية: (يستهزئون) [4] .
ولكن بعد هذا الاستهزاء وقع عليهم العذاب في الدنيا (فأهلكنا أشد منهم بطشًا) ؛"أي: فتسبب عن الاستهزاء بالرسل، أنا أهلكنا أشد قوة من أهل الذين يستهزئون بك (ومضى مثل الأولين) ؛ أي: سبق في القرآن مرارًا ذكر صفة الأولين في الإهلاك" [5] .
ولكن قد يتبادر إلى الذهن تساؤل عن سبب عدم استئصال الله - سبحانه وتعالى - مشركي مكة كما استأصل الأمم السابقة.
يقول سيد قطب:"القرون الأولى تُهلك بعذاب من عند الله يستأصلها، بعد أن يأتيهم رسولهم بالخوارق التي يطلبونها ويمضون في التكذيب ذلك أنها كانت رسالاتٍ مؤقتةً لأمة من"
(1) انظر العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، مصدر سابق، الجزء 6، ص 27
(2) انظر الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، مصدر سابق، الجزء 4، ص 627.
(3) انظر فضل حسن عباس، البلاغة فنونها وأفنانها (علم المعاني) ، مرجع سابق، ص 367.
(4) انظر المرجع ذاته، ص 92.
(5) الجاوي، مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد، مصدر سابق، الجزء 2،ص ص 379 - 380.