فالكفار كانوا يؤذون النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكن عندما أمره الله بالصدع طمأنه بأنه قد كفاه المستهزئين، ولم يقل المشركين؛ لأن المستهزئين هم أصحاب الأذية النفسية للدعاة.
وأثر أذى الاستهزاء قوي في نفوس الدعاة؛ ولذلك قال الله - سبحانه وتعالى - لمحمد - صلى الله عليه وسلم: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ(97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [1]
أي يا محمد إنا نعلم أن كلمات الاستهزاء والشرك تؤذيك فيضيق صدرك، فإذا نابك ضيق الصدر والحرج، فافزع إلى الله تعالى بالتسبيح متلبسًا بحمده، وكن من المصلين، فإن الله سيكشف عنك غمك، ودم على عبادته - سبحانه وتعالى - حتى يأتيك المتيقَّن، وهذا هو سبيلك فاتبعه [2] .
وعلى الدعاة أن يتبعوا هذا السبيل، وليعلموا أن النفوس تتأذى، والصدور تضيق، ولكن الدواء الشافي هو ذكر الله - سبحانه وتعالى - والصلاة وكذلك المداومة على العبادة.
وذكر الساجدين في قوله تعالى: (وكن من الساجدين) دلالة على أن في السجود هدوءَ النفس وطمأنينتها، وهذا أمر يعلمه المصلي الخاشع؛ حيث إن نفسه ترتاح في السجود - عندما يشكو بثّه وحزنه إلى الله - ما لا ترتاح في غيره من أركان الصلاة.
والشاهد في هذه الآيات هو أن العقوبة الإلهية نزلت بالمستهزئين برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث إنها قد أصابتهم في الدنيا.
ويقول تعالى: (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ(6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (7) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) [3] .
(1) سورة الحجر / 97 - 99.
(2) العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، مصدر سابق، الجزء 4،ص 37
(3) سورة الزخرف / 6 - 8
هذه الآيات مكية
انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 16، ص 57.