إذن؛ فالنار هي العقوبة السوأى، وسبب هذه العقوبة السوأى هو التكذيب أولا، ويضاف إليه الاستهزاء ثانيا. ولم يقل سبحانه وتعالى: أن كذبوا بآيات الله وأن استهزأوا بها. بل قال: (وكانوا بها يستهزئون) ؛ حيث أورد الفعل بصيغة المضارع للدلالة على تجدد هذا الاستهزاء، حيث كان منهجًا متبعًا ولم يكن موقفًا واحدًا، وإنما مواقف متوالية , فلا يفرح المستهزئون بما هم فيه، فالعاقبة للمتقين، أي العاقبة الحسنى، وأما المستهزئون فلهم العاقبة السوأى.
الصابرون في الجنة والمستهزئون في النار، صنفان متقابلان، فليختر الإنسان في أيهما يكون. ولا يجزع المؤمنون من استهزاء الكفار والمنافقين؛ فالعاقبة هي التي تضع النقط على الحروف، وهي التي تنهي كل هذه الأحداث الدائرة. هذه الدنيا مؤقتة لميقات يوم معلوم، فليس المسيطر مسيطرًا فيها إلى الأبد، وليس المستهزئ الفكه فيها فكهًا إلى الأبد.
فنار جهنم هي مأوى المستهزئين؛ يقول تعالى: (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ(55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (59) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنْ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمْ الْأَبْصَارُ (63) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) [1]
هؤلاء الطاغون الذين لم يلتزموا بما أمر الله به، بل تجاوزوا الحد، وزادوا في اقتراف المعاصي وتجبروا وتكبروا، وفكان لهم شر مآب، والمآب: المرجع والمصير، فهم يصلون جهنم، يدخلونها ويباشرون نارها وحرها، بل وتكون جهنم كأنها فراش لهم، فهي المهاد الذي عليه يجلسون؛ فحصباؤها الجمر، وحياتها الشقاء، فهذا المهاد - أي: الفراش - الأصل أن
(1) سورة ص / 55 - 66
هذه الآيات مكية
انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 15،ص 129.